الصفحة 59 من 61

وهذا النص الكريم يحمل الوعد من الله والبشارة بأنَّ الجماعة من المؤمنين إنْ صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله تعالى وتأييده، ولأنَّ الكفار قوم لا يفقهون؛ فهم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته ويستحقون خذلانه، خلاف من يقاتل على بصيرة ومعه ما يستوجب به النصر والإظهار من الله تعالى [1] .

وهنا سؤال يفرض نفسه: ما هي العلاقة بين عدم فقههم وبين نصر المؤمنين وهزيمتهم؟

الجواب: ما سبق من أنَّ الكفار قوم جهلة، يقاتلون دون هدف يسعون إليه، ودون إيمان بالله واليوم الآخر وطلب ثواب، فهم كالبهائم لا تفقه شيئًا.

يقول الشهيد سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ: فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر؟

ولكنها صلة حقيقية، وصلة قوية، إنَّ الفئة المؤمنة إنَّما تمتاز بأنَّها تعرف طريقها، وتفقه منهجها، وتدرك حقيقة وجودها، وحقيقة غايتها، وأنَّها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فتفقه أنَّ الألوهية لا بُدَّ أنْ تنفرد وتستعلي، وأنَّ العبودية يجب أنْ تكون لله وحده بلا شريك، وتفقه أنَّها هي الأُمَّة المسلمة المهتدية بهدى الله، المنطلقة في الأرض بإذن الله، لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وأنَّها هي المستخلفة عن الله في الأرض، الممكنة فيها لا لتستعلي هي وتستمتع، ولكن لتعلي كلمة الله وتجاهد في سبيل الله.

بينما أعداؤها قلوبهم مغلقة، وبصائرهم مطموسة، وقوتهم كليلة عاجزة، مهما تكن متفوقة ظاهرة، إنَّها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير [2] .

(1) انظر: الكشاف، 2/167.

(2) في ظلال القرآن، 3/1550.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت