الصفحة 58 من 61

والثاني: أنْ يكون المعنى: كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين، وعلى كلا المعنيين؛ فالنصر كله من عند الله، ولكنه سبحانه جعل المؤمنين ينصرونه من باب اتخاذ الأسباب المألوفة المعتادة [1] .

والمعنى: يا أيها النبي، هكذا يناديه سبحانه وتعالى بهذا النداء المحبب إلى نفسه، وهي صفة النبوة تشريفًا وتكريمًا له - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يناده باسمه الصريح في كل القرآن، بينما نادى كثيرًا من أنبيائه عليهم السلام بأسمائهم الصريحة كـ: آدم، ونوح، وإبراهيم، وداود، وموسى، وعيسى، وغيرهم. يا أيها النبي حسبك الله وكافيك، وحافظك من كل سوء ومكروه، وناصرك ومؤيدك أنت ومن اتبعك من المؤمنين، وعليكم أنْ تعملوا بالأسباب وتعدوا القوة حتى تكونوا أقوياء حسيًا ومعنويًا.

وبعد هذا الوعد من الله تعالى يأتي الأمر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالتحريض للمؤمنين على القتال، وحثهم عليه، وشحذ هممهم ببيان فضل الجهاد في سبيل الله وبذل الغالي والنفيس في ذلك، لأنَّهم ينتظرون إحدى الحسنيين: إمَّا الظفر والنصر على الأعداء ونيل الغنيمة، وإمَّا الشهادة ونيل شرفها، فالمؤمنون يقاتلون لكي تكون كلمة الله هي العليا، ويدافعون عن دينهم الحق عن عقيدة راسخة ثابتة، بينما عدوهم يقاتل لكي ينال عرضًا من أعراض الدنيا، وقد يكون مكرهًا على ذلك فلا هدف له يسعى إليه، وعدوهم جاهل لا يفقه شيئًا في دنياه ولا آخرته.

والتحريض في اللُّغة: الحث على الشيء بكثرة الترغيب. وتسهيل الخطب فيه، كأنَّه في الأصل إزالة الحرض وهو الهلاك، ويقال لمن أشرف على الهلاك: حرض، ومنه قوله تعالى [يوسف: 85] .

والتحريض على القتال: الحث والإحماء عليه [2] .

(1) انظر: تفسير الفخر الرازي، 15/191، بتصرف واختصار. وراجع: زاد المسير في علم التفسير، 3/377.

(2) الفتوحات الإلهية، 2/255. وراجع: المفردات، للراغب الأصفهاني، دار المعرفة، بيروت، مادة (حرض) ، ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت