إنَّ الدماء المسفوكة والضغائن الموروثة التي كانت بين القبيلتين لا يمكن أنْ تزيلها إلاَّ عقيدة الإيمان، فلولا نعمة الله عليهم وفضله، لما استطعت أنْ تؤلف بين قلوبهم، مهما توفرت لديك من وسائل وأعراض دنيوية، ومهما ناديت بأخوة الإنسان والأوطان، فإنَّ ذلك لا يجدي شيئًا، ولكن الله الذي جمعهم على كلمة التوحيد هو الذي جعل الإيمان يخالط شفاف قلوبهم، ويتجمعون في بوتقة واحدة متناسين كل شيء حدث بينهم، وبهذا التفوا حول قيادتهم الجديدة ونبيهم المرسل، فسعدوا في دنياهم وآخرتهم.
حض المؤمنين على القتال:
بعد أنْ تحدثت الآيات السابقة في هذا المبحث عن ذلك الفريق المسالم، وأمر الله فيها بالإجابة إلى المسالمة معه متى ما جنح إليها ومال إلى ذلك، وبيَّن تعالى مننه العظيمة عليهم، حيث ألَّف بين قلوبهم بعد تمزُّقها وتفرُّقها وتناحُّرها.
بعد هذا يأتي الخطاب لنبيه - صلى الله عليه وسلم - يأمره فيه أنْ يحض أولئك الذين أنعم الله عليهم بالإيمان على الجهد في سبيله، وقتال أعدائه، ووعده بأنَّه كافيه وناصره هو وأتباعه من المؤمنين، فليست العبرة بالكثرة أو القلة، قال تعالى . هذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال [1] .
ومعناها أنَّه لما وعده سبحانه بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقًا.
وفي معنى العطف في قوله تعالى قولان للعلماء:
الأول: التقدير: الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين، فالكاف في
في محل خفض، و في موضع نصب. والمعنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك.
فلا يقال ـ غالبًا ـ: حسبك وأخاك، بل المعتاد أنْ يقال: حسبك وحسب أخيك.
(1) انظر: تفسير الفخر الرازي، 15/191.