والله عزَّ وجلَّ يوجه المسلمين ـ وفي مقدمتهم نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ـ بأنَّه كافيهم وسينصرهم عليهم، فلا يكون ذلك سببًا في عدم قبول السلم والميل إليه، والله تعالى يطمئنهم بأنَّه قادر على نصرهم، كيف لا؟!! وقد ألَّف بين قلوبهم بعد أنْ كانت متنافرة متباغضة، فصاروا بالإسلام إخوة متحابين ينصر بعضهم بعضًا ويؤثر بعضهم بعضًا.
قال الزمخشري:"لا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإنَّ الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم."
والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الباهرة، لأنَّ العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغنية في أدنى شيء وإلقائه بين أعينهم إلى أنْ ينتقموا لا يكاد يأتلف منهم قلبان.
ثم التفّت قلوبهم على اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتحدوا وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم وجمع من كلمتهم وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلاَّ من يملك القلوب، فهو يقلبها كما شاء ويصنع فيها ما أراده.
وقد كان بين الأوس والخزرج من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسٌّد والتنافُّس، وعادة كل طائفتين كانتا بهذه المشابه أنْ تتجنب هذه ما أثارته أختها وتكرهه وتنفر عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كله حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصارًا وعادوا أعوانًا، وما ذاك إلاَّ بلطيف صنعه وبليغ قدرته" [1] ."
(1) الكشاف، 2/166.