وليس من طبيعة هذا البحث الخوض في مثل تلك الخلافات؛ والذي يهمنا أنَّ هذه الآية محكمة على الصحيح، وأنَّها عامة تنطبق على كل قوم يريدون الدخول في السلم ضمن ضوابط وشروط مقررة ومعروفة.
قال الزمخشري:"والصحيح أنَّ الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم، وليس بحتم أنْ يقاتلوا أبدًا أو يجابوا إلى الهدنة أبدًا" [1] .
وهو كما قال ـ رحمه الله تعالى ـ فإنَّ الأمر موكول إلى الإمام، إلى القائد المسلم، فإنَّه هو الذي يقدِّر الأمور بقدرها ويقرِّر الحرب أو المصالحة والمسالمة بالتشاور مع أولي النهي والعقول من جنده.
يقول الإمام ابن كثير:"يقول تعالى إذا خفت من قوم خيانة ـ وهي عامة ـ فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإنْ استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، وإنْ جنحوا ومالوا للسلم والمصالحة والمهادنة؛ فاجنح لها، أي فمل إليها واقبل منهم ذلك، ولذلك لما طالب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخرى."
وأمَّا الآيات التي فيها الأمر بقتالهم؛ فهذا إذا أمكن ذلك، فأما إنْ كان العدو كثيفًا فإنَّه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية، وكما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم" [2] ."
والكفار قد يميلون إلى السلم ويجنحون إليه ليس حبًا فيه ولكن لوجود ضعف لديهم، وخوف من الجند الإسلامي فيطلبون المصالحة خداعًا منهم وتحيُّنًا للفرصة السانحة التي ينقضون فيها على الأُمَّة الإسلامية.
(1) الكشاف، 2/166. وانظر: البحر المحيط، 4/513.
(2) تفسير ابن كثير، 2/322 باختصار وتصرف يسير.