الصفحة 54 من 61

وفي هذه الوحدة الثامنة (في المبحث الثامن) لا يزال الحديث عن فريق ثالث من الناس، وهو الفريق المسالم الذي يبحث له عن مخرج حتى ينجو من جيش المسلمين فيطلب الهدنة ويسعى إلى السلام ويميل إليه حقًا، ولعل أعمالهم ومعاملتهم للمسلمين وتصرفاتهم تنبئ بذلك، فهذا الفريق ـ وبخاصة في تلك الفترة ـ قد أذن الله للمسلمين بالتعامل معهم والجنوح إلى المسالمة تحقيقًا لرغبتهم ومصلحة المسلمين في تلك الظروف التي تتطلب مثل ذلك.

قال تعالى .

يقال: جنح له وإليه يجنح جنوحًا، أي مال له وإليه، فالجنوح: الميل، وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه، ومنه جنحت السفينة، أي مالت إلى أحد جانبيها، وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير.

والمعنى: إنْ مالوا إلى السلم فَمِلْ إليهم، والسلم: المصالحة ولذلك انثت [1] .

فالمسلمون مأمورون بإعداد العدة وبذل ما في وسعهم لمواجهة عدوهم، ومتى شعر العدو بأنَّ المسلمين مستعدون لضربهم عند ذلك يلجأون إلى المسالمة والمصالحة، فمتى وصل المسلمون إلى هذه المرحلة ومال الأعداء إلى السلم وطلبوا ذلك؛ فعلى المسلمين أنْ يلبوا طلبهم، وهم متسلحون بإيمانهم، متوكلون على ربهم، مفوضون أمرهم إليه.

"وعبَّر سبحانه عن جنوحهم إلى السلم بحرف (إنْ) الذي يعبِّر به عن الشيء المشكوك في وقوعه، للإشارة إلى أنَّهم ليسوا أهلًا لاختيار المسالمة والمصالحة لذاتها، وإنَّما جنحوا إليها لحاجة في نفوسهم، فعلى المؤمنين أنْ يكونوا دائمًا على حذر منهم وألا يأمنوا مكرهم" [2] .

وقد تكلَّم المفسرون حول هذه الآية؛ هل المراد بها فئة خاصة أم أنَّها عامة؟ وهل هي منسوخة بآيات القتال أم ليست بمنسوخة؟

(1) انظر: لسان العرب، 2/428، مادة (جنح) ، والبحر المحيط، 4/513.

(2) التفسير الوسيط، ص 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت