الصفحة 60 من 61

فهاتان الجملتان شرطيتان في ضمنهما الأمر بصبر عشرين لمائتين، وبصبر مائة لألف، ولذلك دخلها النسخ، إذ لو كان خبرًا محضًا لم يكن فيه النسخ، لأنَّ الشرط إذا كان فيه معنى التكليف جاز فيه النسخ، وهذا من ذلك، ولذلك نسخ بقوله تعالى [1] .

وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة أنَّ ثبات الواحد للعشرة كان فرضًا، ثم لما شق عليهم انتقل إلى ثبات الواحد للاثنين على سبيل التقريب أيضًا، وسواء كان فرضًا أم ندبًا هو نسخ، وقول من قال: إنَّه تخفي لا نسخ كمكي بن أبي طالب ضعيف [2] .

والمتأمل في الآيتين الكريمتين يحد أنَّه قد أثبت في الشرط الأول قيدًا وهو الصبر، وحذفه من الثاني، وأثبت في الثاني قيدًا وهو كونهم من الكفرة، وحذفه من الأول، والتقدير: مائتين من الذين كفروا ومائة صابرة.

فحذف من كل منهما ما أثبت في الآخر، وهو غاية الفصاحة [3] .

فإنْ قيل: حاصل هذه العبارة المطولة: أنَّ الواحد يثبت للعشرة، فما الفائدة في العدول إلى هذه العبارة المطولة؟

وقد أُجيب بأنَّ هذا إيماء ورد على وفق الواقع، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث السرايا، والغالب أنَّ تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذيْن العدديْن [4] .

وتختتم هذه الوحدة القرآنية بقوله تعالى ، وهو تذييل يتناسب مع الآيات التي تحض على القتال وتعدهم بالنصر على الأعداء، وأنَّ الله معهم بتأييده ومعونته، وهذا يؤكد على الأُمَّة المسلمة الاستمرار الدءوب على تربية أجيالها وعناصرها التربية الجهادية الشجاعة.

(1) البحر المحيط، 4/516.

(2) المصدر نفسه، والقول بالنسخ رأي أكثر العلماء، ويرى بعضهم أنَّه ليس بنسخ وإنَّما هو تخفيف. انظر: الفخر الرازي، 15/196.

(3) الفتوحات الإلهية، 2/256.

(4) المصدر نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت