سبق أنْ عرفنا أنَّ الصحابة خرجوا إلى بدر وقصدوا الكفار دون أنْ يعدوا العدة، وجاء قبل هذه الآية أمره تعالى بالتشريد ونبذ العهد للناقضين، وكان هذا سببًا من الأسباب التي جعلت الأعداء يتكالبون على الرسول والمؤمنين لقتالهم، فأمرهم الله تعالى بإعداد ما قدروا عليه من القوة للجهاد، وعلّق ذلك بالاستطاعة لطفًا منه تعالى، والأمر في الآية يقتضي العموم ـ أي عموم الكفار في أي زمان ومكان ـ فكما أُمِرَ المؤمنون أنْ يعدوا ما استطاعوا من أنواع القوة لقتال كفار قريش ومن والاهم ووقف معهم، فكذلك المؤمنون مأمورون بذلك لقتال أعداء الله المحاربين لدينه، الصادين عن سبيله، وما ورد في صحيح مسلم [1] عن عقبة بن عامر قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول:: (ألا وإنَّ القوة الرمي، ألا وإنَّ القوة الرمي) . فمعناه ـ والله أعلم ـ أنَّ معظم القوة وأنكاها للعدو الرمي، كما جاء: (الحج عرفة) [2] .
وجاء قوله التخصيص بعد التعميم للتنصيص على فضل رباط الخيل، إذ كانت الخيل هي أصل الحروب والخير معقود بنواصيها، وهي مراكب الفرسان الشجعان، والمقصود من الإرهاب التخويف، فلا يفكر الكفار بدخول دار الإسلام، وقد يلتزمون بدفع الجزية أو يسلمون ولا يعينون سائر الكفار على حرب المسلمين.
فالكفار إذا علموا بما أعددتم للحرب من القوة ورباط الخيل خافوا وخوفوا من يليهم من الكفار، وأرهبوهم بإعلامهم ما أنتم عليه من الإعداد للحرب، فيخافون منكم، وإذا كانوا قد أخافوا من يليهم منكم، فخوفهم منكم من باب أوْلَى بل هو أشد، وذكر أولًا تعظيمًا لما هم عليه من الكفر، وتقوية لذمهم، وأنه يجب لأجل عدواتهم لله أنْ يقاتلوا ويبغضوا، ثم قال:
(1) كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، 13/64. وانظر: جامع الأصول، 2/147.
(2) أخرجه الترمذي في الحج، وأبو داود في المناسك، والنسائي في الحج، وجامع الأصول، 3/242.