الصفحة 48 من 61

وحاصل الكلام في هذه الآية أنَّه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه، وأمره أنْ يتباعد على أقصى الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه.

قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت؛ فإمَّا أنْ تظهر ظهورًا محتملًا أو ظهورًا مقطوعًا به، فإنْ كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأنَّ قريظة عاهدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله، فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه، فها هنا يجب على الإمام أنْ ينبذ إليهم عقودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب.

أمَّا إذا ظهر نقض العهد ظهورًا مقطوعًا به، فها هنا لا حاجة إلى نبذ العهد، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل مكة، فإنَّهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم من ذمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصل إليهم رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة [1] .

وهكذا نرى تعاليم الإسلام وأخلاقه الفاضلة تفوق كل نظام على وجه الأرض، فتحتقر كل خوان أثيم، وتتوعده بالخزي والعار وبالهلاك والدمار في الدنيا قبل الآخرة، وبهذا تسمو هذه التعاليم بالبشرية، وتطلب منها أنْ تترفع عن كل ما من شأنه إصابة الناس بالخوف والذعر والاضطراب، ولهذا يُطمئن الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين المتمسكين بالتعاليم الإسلامية بأنَّه معهم وينتقم لهم من أعدائهم الكفار عاجلًا أو آجلًا .

إنَّ الكفار لا يفلتون من قبضة الله في كل زمان ومكان، فالذين أفلتوا من القتل والأسر يوم بدر وظنوا أنَّهم قد نجوا، وأنَّهم قد أعجزوا الله، فالله تعالى لهم بالمرصاد، وهم تحت تصرُّفه متى شاء أمكن المسلمين فقتلوهم وأسروهم، هذا في الدنيا، أمَّا في الآخرة فإنَّ الله قد أعدَّ لهم عذابًا أليمًا خالدين فيه أبدًا.

(1) تفسير الفخر الرازي، 15/183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت