الصفحة 47 من 61

كيف بالإنسان عندما يتصور نفسه، وليس هناك فرق بينه وبين سائر الحيوانات التي تدب على الأرض؟! وقد ميَّزه الله بالعقل، ولكنه عطَّل هذه النعمة وهبط إلى الحضيض فكان شر الدواب، لأنَّ هذا الصنف من الناس الذين أصروا على الكفر فصاروا أضل من الحيوانات، قد حكم الله وقضى أنَّهم لا يؤمنون، وأنَّ من سماتهم نقض العهود والمواثيق، كبني النضير وبني قريظة وغيرهم، فليس لهم عهد ولا ذمة عند الله جلَّ وعلا.

ومعنى أي تقدر عليهم وتلقاهم في حالة ضعف فتغلب عليهم فتأسرهم وتقتل بعضهم، وتنذر بهم من خلفهم من التسميع والتنكيل والتفريق والقتل، يقال: شردت بني فلان: قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها، وكذا الواحد، تقول: تركته شريدًا عن وطنه وأهله [1] .

فإذا ما أدركت يا محمد ـ والخطاب له ولأُمَّته ـ هؤلاء الكفار من اليهود وغيرهم الذين ينقضون عهودهم، ففرِّق وشتِّت شملهم واجعلهم عبرة لغيرهم ممن تسول له نفسه المساس بهذا الدين ونقض العهود والمواثيق.

فلعل هذا القتل والأسر والتفريق يكون عبرة لأولئك المشردين فيفيئون إلى رشدهم ولا يفكرون في نقض عهودهم، وإذا ما بدر لك بادرة خيانة تدل على خيانتهم وغدرهم فاطرح إليهم عهدهم وانبذه بوضوح ظاهر قبل محاربتهم، ولا تباغتهم بقتال قبل إعلامهم، وبهذا يكون الأمر مستويًا بينكما في العلم بالقتال ونبذ العهود، حتى لا تتهم بالغدر والخيانة، فإنَّ الله تعالى لا يحب الخائنين، وهذا معنى قوله تعالى .

قال الإمام الفخر الرازي في معنى هذه الآية الكريمة: يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثًا بأمارات ظاهرة

فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر، وذلك أنْ تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم إخبارًا مكشوفًا بينًا، أنَّك قطعت ما بينك وبينهم، ولا تبادرهم الحرب وهم على توهُّم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك في العهود.

(1) الجامع لأحكام القرآن باختصار، 8/30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت