الصفحة 45 من 61

إنَّهم لا يعرفون مبررًا لهذا التهور ـ كما يسمونه ـ وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة!!... إنَّهم يحسبون الحياة كلها ـ بما فيها الدين والعقيدة ـ صفقة في سوق التجارة، إنْ كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها، فأمَّا إنْ كان الخطر فالسلامة أوْلَى، إنَّهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان، إنَّها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائمة، فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين: النصر والغلب أو الشهادة والجنة.

والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أنْ تزن بميزان الإيمان والعقيدة، وأنْ تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه، أنْ ترى بنور الله وهداه، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة، وألا تستهين بقوتها ووزنها، فإنَّ معها الله، وأنْ تلقى بالها دائمًا إلى تعليم الله سبحانه وتعالى للمؤمنين [1] .

ثم تتحدث الآيات في ختام هذه الوحدة القرآنية عن مصير الكافرين في الدنيا قبل الآخرة، وتذكرنا بقوله تعالى في أول السورة .

فالله تعالى يخاطب نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكل من يصلح له الخطاب بقوله .

إنَّ الجزاء من جنس العمل، فلقد كان المشركون يعذبون المسلمين ويتفننون في ذلك فعاقبهم الله بمثل ذلك عندما نزع أرواحهم في غزوة بدر، وكذا بيَّنت الآيتان مصير الكافرين في الآخرة وما يلاقونه من عذاب الحريق بسبب ما اقترفوه من حرب لله ولرسوله والمؤمنين، ولو رأيت يا من تتأتى منك الرؤية وقت تعذيب الملائكة للكافرين وإهانتهم وإذلالهم لرأيت أمرًا عظيمًا ـ حيث حذف جواب (لو) للتهويل والتعظيم ـ فهم يضربون وجوههم وأستاءهم

ـ ولكن الله يكني ـ فكنى بالأدبار عن ذلك، إنَّها صورة بشعة يصورها القرآن الكريم للاعتبار والاتعاظ، فالناظر لا يطيق مجرد النظر إليها فضلًا عن تحمُّلها، كل ما حل بهم كان جزاءً وفاقًا لما عملوه وما ارتكبوه من الجرائم والآثام وإصرارهم على الكفر والطغيان .

(1) في ظلال القرآن، 3/1533.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت