وقوله تعالى: قال ابن عباس: معناه أنَّه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل، وما ذاك إلاَّ أنَّهم اعتمدوا على دينهم [1] .
والله جلَّ وعلا يذكِّر المؤمنين ويقول لهم: اذكروا وقت أنْ قال المنافقون والذين لم يخالط الإيمان شفاف قلوبهم فهم في ريبهم يترددون .
أي أنَّ هؤلاء المؤمنين أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - قد انخدعوا بدينهم وألقوا أنفسهم إلى التهلكة وأقدموا على قتال المشركين الذين يفوقونهم في العدد والعدة، وهذا يدل على جهلهم الفظيع وعدم معرفتهم بأسباب النصر الحقيقية، وكذا أسباب الهزيمة، ولذا انطلقت ألسنتهم ونطقت بما يضمرون في نفوسهم، ولكن الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية قد فضحهم، وهتك أستارهم، وهزمهم شر هزيمة على أيدي أوليائه الذين يعتمدون عليه ويفوضون أمرهم إليه .
فله العزة والقوة والغلبة، مهما تبجح الباطل وتطاول، وله الحكمة البالغة في نصر أوليائه وهزيمة أعدائه.
هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه، وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه، وهذا ما يرجح الكفة، ويقرر النتيجة، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان.
وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض عن العصبة المؤمنة يوم بدر
، هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه.
وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين، وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة، وهي الغيرة على ألوهية الله على حرمات الله، وهي التوكُّل على الله والثقة بنصره لأوليائه.
إنَّ المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر، وتستخف بالخطر، وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة وللأخطار الواضحة.
(1) تفسير الفخر الرازي، 15/176.