"والمتأمل في هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للمؤمنين مع كل زمان ومكان الطريق التي توصلهم إلى الفلاح والظفر، إنهما تأمران بالثبات، والثبات من أعظم وسائل النجاح، لأنَّه يعني ترك اليأس والتراجع، وأقرب الفريقين إلى النصر أكثرهما ثباتًا، وتأمران بمداومة ذكر الله، لأنَّ ذكر الله هو الصلة التي تربط الإنسان بخالقه الذي بيده كل شيء ومتى حسنت صلة الإنسان بخالقه صغرت في عينه قوة أعدائه مهما كثرت، وتأمران بطاعة الله ورسوله حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية وبنفوس صافية لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدي إلى الفشل وذهاب القوة، وتأمران بالصبر، أي بتوطين النفس على ما يرضى الله، واحتمال المكاره والمشاق في جلد، وهذه صفة لا بُدَّ منها لمن يريد أنْ يصل إلى آماله وغاياته" [1] .
إنَّ الفريق الغالب هو الذي يثبت في الشدائد، وإنَّ العدو يعاني كما يعاني المؤمنون، ويتألم كما يتألمون، إلاَّ أنَّ المؤمنين يرجون من الله ما لا يرجو الكفار، إنَّ العدو لا يريد إلاَّ العيش في هذه الحياة كما يعيش سائر الحيوان، بينما المؤمنون يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنَّ الله وعدهم إحدى الحسنيين إمَّا النصر والظفر وإمَّا الشهادة والفوز بجنة عرضها السموات والأرض.
يقول الإمام الفخر الرازي:"مقاتلة الكافر إنْ كانت لأجل طاعة الله تعالى كان ذلك جاريًا مجرى بذل الروح في طلب مرضاة الله تعالى، وهذا هو أعظم مقامات العبودية، فإنْ غلب الخصم فاز بالثواب والغنيمة، وإنْ صار مغلوبًا فاز بالشهادة والدرجات العالية، أمَّا إنْ كانت المقاتلة، لا لله، بل لأجل الثناء في الدنيا وطلب المال، لم يكن ذلك وسيلة إلى الفلاح والنجاح"إ هـ [2] .
(1) التفسير الوسيط (سورة الأنفال) ، ص 145.
(2) تفسير الفخر الرازي، 15/171.