ومن النعم التي أنعم الله بها على تلك الطائفة المؤمنة أنَّ الله سبحانه وتعالى أرى نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رؤيا منامية أنَّ عدد المشركين قليل، فسُّرَّ بذلك وأخبر أصحابه، فسروا كذلك، وكان ذلك سببًا في إقدامهم وتحمُّسهم للقتال.
وهذا بخلاف ما لو كان الأمر على العكس من ذلك، فإنَّه سيكون سببًا في خوفهم وجبنهم واختلافهم فيما بينهم في الإقدام على القتال من عدمه، وكانت العاقبة وخيمة والمصيبة عظيمة، وانتهى الأمر بالهزيمة، ولكن الله سلَّم .
قال أبو حيان:"الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وتظاهرت الروايات أنَّها رؤيا منام، رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيها الكفار قليلًا فأخبر بها أصحابه فقويت نفوسهم وشجعت على أعدائهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه حين انتبه: (أبشروا لقد نظرت على مصارع القوم) . والمراد بالقلة هنا: قلة القدر والبأس والنجدة، وأنهم مهزومون مصروعون، ولا يحمل على قلة العدد، لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - رؤياه حق، وقد كان علم أنَّهم ما بين تسعمائة إلى ألف، فلا يمكن حمل ذلك على قلة العدد" [1] .
أمَّا الإمام الفخر الرازي فيروي عن التابعي الجليل مجاهد بن جبر قوله:"أرى الله النبي - صلى الله عليه وسلم - كفار قريش في منامه قليلًا فأخبر بذلك أصحابه، فقالوا: رؤيا النبي حق، القوم قليل، فصار ذلك سببًا لجرأتهم وقوة قلوبهم، ثم قال: فإنْ قيل: رؤية الكثير قليلًا غلط، فكيف يجوز من الله أنْ يفعل ذلك؟"
قلنا: مذهبنا أنَّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضًا لعله سبحانه أراه البعض دون البعض، فحكم الرسول على أولئك الذين رآهم بأنَّهم قليلون" [2] ."
(1) البحر المحيط، 4/501.
(2) تفسير الفخر الرازي، 15/169.