أي لو كان كل منكم حدَّد الموعد والزمان الذي يكون القتال فيه؛ لاختلفتم في ذلك، لكن الله تعالى إذا أراد شيئًا هيأ له الأسباب بقدرته وحكمته، أما المؤمنون فلم يكن لديهم أي استعداد ـ كما سبق ـ حيث جمع بينهم بدون ميعاد، ليعلموا أنَّ النصر المبين الذي أحرزوه إنما كان بتدبيره سبحانه وصنعه، كما في قوله تعالى .
إي إنَّما فعل ذلك سبحانه وأظهر تلك المعجزة ليكفر من كفر عن بينة ووضوح ويؤمن من آمن عن بينة كذلك وبصيرة، فهو سبحانه عليم بنياتهم يسمع دعاء الجميع ويعلم حاجاتهم لا تخفى عليه خافية.
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى الآية، أي أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال لخالف بعضكم بعضًا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيُّب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له.. ليقضي أمرًا كان واجبًا أنْ يفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك... واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح وبينة لا عن مخالجة شبهة، حتى لا تبقى له على الله حُجَّة، ويصدر إسلام من أسلم أيضًا عن يقين وعلم بأنَّه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسُّك به" [1] ."
وناسب أنْ تختم الآية الكريمة بقوله تعالى حيث جمع بين السمع والبصر وهما صفتان من صفات الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، أي يسمع ويعلم كفر من كفر وما يستحقه من العقاب، وإيمان من آمن وما يستحقه من الثواب، وهو يشمل القول والاعتقاد، أي يسمع أقوالهم ويعلم حقيقة معتقداتهم ويجزيهم عليها [2] .
(1) المصدر نفسه، 2/160.
(2) انظر: تفسير أبي السعود، 4/24 بتصرف.