الصفحة 30 من 61

وكيف حقَّق الله لهم النصر المؤزر على أعدائهم بحوله وقوته، ويقول لهم: اذكروا أيُّها المؤمنون حالكم حين كنتم بالعدوة الدنيا، أي جانب الوادي وحافته من جهة المدينة المنورة، وكان أعداؤكم بالعدوة القصوى، أي على جانب الوادي الأبعد من المدينة مما يلي مكة، وكان الركب وهم الجماعة الذين يركبون الإبل أسفل منكم، أي كان أبو سفيان ومن معه من حراس العير في مكان منخفض عنكم بالقرب من ساحل البحر على بعد ثلاثة أميال منكم.

قال الإمام الزمخشري: فإنْ قلت: ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين، وأنَّ العير كانت أسفل منهم؟! قلتُ: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم [1] ، وأنَّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليس إلاَّ صنعًا من الله سبحانه، ودليلًا على أنَّ ذلك أمر لم يتيسر إلاَّ بحوله وقوته وباهر قدرته، وذلك أنَّ العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضًا لا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي خبار تسوخ فيها الأرجل ولا يمشى فيها إلاَّ بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياطهم، ولهذا كانت العرب تخرج الحرب بظعنهم وأموالهم ليبعثهم الذب عن الحريم والغيرة على الحريم على بذل جهدهم في القتال، وألا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ويضبط هممهم، ويوطن نفوسهم، على ألا يبرحوا مواطنهم، ولا يجلوا مراكزهم، ويبذلوا قصارى نجدتهم وقصارى شدتهم [2] .

(1) أي استرخاؤهم وبطؤهم. انظر: لسان العرب، 2/185، مادة (لوث) .

(2) الكشاف، 2/160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت