ولما رجع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بدر ذكروا مفاخرهم فيقول القائل: قتلت وأسرت فنزلت [1] .
وقد ذكر بعض المفسرين أنَّ بقوله هو رميه - صلى الله عليه وسلم - لأبي بن خلف يوم أُحُد أو رميه لكنانة بن أبي الحقيق في غزوة خيبر أو رميه المشركين في غزوة حنين.
ولكن الإمام السيوطي ضعف تلك الراويات ثم قال: والمشهور أنَّها في رميه يوم بدر بالقبضة من الحصباء، قال: روى ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء إلى الأرض كأنَّه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله بتلك الحصباء فانهزمنا، فذلك قوله الآية [2] .
والآية تحمل في طياتها نفيًا وإثباتًا، ومعناها أنَّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلاَّ ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمي لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنَّ صورة الرمي وجدت منه، ونفاها عنه لأنَّ أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله، فكأنَّ الله تعالى هو فاعل الرمي حقيقة وكأنَّها لم توجد من الرسول أصلًا [3] .
وما أعظمها من نعمة أنعم بها سبحانه وتعالى على أوليائه بعد استغاثتهم به، وطلبهم منه العون والنصر على أعدائهم، وفيه نوع من الاختبار لهم؛ هل يشكرون أم يكفرون؟! .
ثم أشار سبحانه وتعالى بقوله إلى البلاء الحسن والمنحة التي منحهم إياها فنصرهم على أعدائهم وأعزهم بعد أنْ كانوا أذلة وقضى على تلك الشرذمة المشركة وأوهنها وأضعفها وجعلها لقمة سائغة بأيدي المؤمنين
(1) البحر المحيط، 4/476. وانظر: الكشاف، 2/149.
(2) لباب النقول في أسباب النزول، ص 368. وانظر: البحر المحيط، 4/477.
(3) الكشاف، للزمخشري، 2/149. وانظر: تفسير الفخر الرازي، 15/139، والبحر المحيط، 4/477.