الصفحة 24 من 61

وإذا جاز أنْ تنال هذا القلب هزة ـ وهو يواجه الخطر ـ فإنَّ هذه الهزة لا يجوز أنْ تبلغ أنْ تكون هزيمة وفرارًا. والآجال بيد الله، فما يجوز أنْ يولي المؤمن خوفًا على الحياة، وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها، فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانًا، فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة، ثم يمتاز المؤمن بأنَّه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها، ثم إنَّه إلى الله إنْ كان حيًا، وإلى الله إنْ كُتبت له الشهادة، فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق الله ورسوله"ا هـ [1] ."

فلماذا إذًا يفر المسلم من عدوه ويوليه الدبر؟ ولا ينجي حذر من قدر، فلأنْ يموت ميتة شريفة وهو مقبل غير مدبر خير له من أنْ يلقى مصرعه وهو فار هارب، وهو يحمل غضب الله تعالى يصاحبه إلى مثواه الأخير، والعياذ بالله من غضبه.

إنَّها لدروس وعبر وعظات يستقيها المسلم من هذه الآيات البينات [البقرة: 269] .

ثم بيَّن سبحانه وتعالى بعض مظاهر قدرته وفضله على تلك الطائفة المؤمنة ليشكروه على آلائه ونعمائه وكرمه وإحسانه لأوليائه، فقال تعالى .

أوحى الله سبحانه وتعالى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - عند بدء المعركة أنْ يأخذ قبضة من الحصباء ثم يرمي بها وجوه المشركين، فاستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القوم ورماهم قائلًا: (شاهت الوجوه) . فأوصل الله ذلك إلى وجوههم فأصابت أعينهم ومناخرهم، فامتلأت ترابًا، فانشغل كل واحد منهم بما أصابه وحدث له، وأخذ يصلح من شأنه فلم يلتفتوا إلى القتال، وأصبحوا في أيدي المؤمنين يحصدونهم حصدًا فيقتلون ويأسرون، ولله الحمد والمنة [2] .

(1) في ظلال القرآن، 3/1489.

(2) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي، 3/844، وتفسير الفخر الرازي، 15/139، والجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 7/385، والبحر المحيط، 47/477، وتفسير ابن كثير، 2/295.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت