أحدها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان حاضرًا يوم بدر، وقد وعده سبحانه بالنصر والظفر، فلم يكن لهم التحيُّز إلى فئة أخرى.
ثانيها: أنَّه تعالى شدَّد الأمر على أهل بدر، لأنَّه كان أول الجهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم، فلهذا وجب عليهم التشدُّد والمبالغة.
والقول الثاني: أنَّ الحكم المذكور في هذه الآية كان عامًا في جميع الحرب، بدليل أن قوله تعالى عام فيتناول جميع الصور، أقصى ما في الباب أنَّه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"إ. هـ [1] ."
وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس وترتاح، وهو ما رجحه كثير من العلماء كالجصاص الحنفي وابن العربي المالكي وغيرهما.
فقد ذكر ابن العربي القولين للعلماء وأنَّ ابن عباس وسائر العلماء يرون أنَّ الآية باقية إلى يوم القيامة، وإنَّما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر وليس به، وإنَّما ذلك إشارة إلى يوم الزحف، والدليل عليه أنَّ الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الكبائر كذا... وعد الفرار يوم الزحف، وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف ويبيِّن الحكم..""
ا هـ [2] .
وما أجمل كلام الشهيد سيد قطب وهو يعقب على هذه الآية الكريمة بقوله:"إنَّ التولي يوم الزحف على إطلاقه يستحق هذا التشديد لضخامة آثاره الحركية من ناحية، ولمساسه بأصل الاعتقاد من ناحية."
إنَّ قلب المؤمن ينبغي أنْ يكون راسخًا ثابتًا لا تهزه في الأرض قوة، وهو موصول بقوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده.
(1) تفسير الفخر الرازي، 15/138. وراجع: البحر المحيط، لأبي حيان، 4/475.
(2) ابن العربي المالكي: أحكام القرآن، نحقيق محمد علي البجاوي، دار المعرفة، بيروت، 2/843.