قال القرطبي: التحرُّف: الزوال عن جهة الاستواء.
فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم، وكذلك المتحيّز إذا نوى التحيُّز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضًا.
روى أبو داود [1] عن عبد الله بن عمر أنَّه كان في سرية من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فحاص [2] الناس حيصة، فكنتُ فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟! فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنْ كانت لنا توبة أقمنا، وإنْ كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال: لا بل أنتم العكارون، قال: فدنونا فقبَّلنا يده فقال: (أنا فئة المسلمين) قال ثعلب: العكارون هم العطافون [3] .
وقد اختلف العلماء في مسألة هذا الوعيد الشديد لمن فر من عدوه، هل كان خاصًا بغزوة بدر أم هو عام باق إلى قيام الساعة؟
قال الفخر الرازي: اختلف المفسرون في أنَّ هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق؟ فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك، أنَّ هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر، قالوا: والسبب في اختصاص يوم بدر الحكم أمور:
(1) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في التولي يوم الزحف، 3/105، وأخرجه الترمذي في أبواب الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف، 5/378.
(2) حاص بمعنى جال، أي جالوا جولة يطلبون الفرار. انظر: ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، 7/20، مادة (حيص) .
(3) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، 7/383. وراجع: البحر المحيط، لأبي حيان، 4/475.