الصفحة 21 من 61

هكذا يناديهم بصفتهم الإيمانية حتى يستجيش مشاعرهم، وهذا أول نداء من النداءات الستة التي نادى الله بها عباده المؤمنين في هذه السورة، وفيه يأمرهم سبحانه أنهم إذا لقوا أعداءهم الكفار مجتمعين كأنهم متداخلين في بعضهم لكثرتهم يزحفون على الأرض كما يزحف الصبيان لا يكاد الإنسان يرى موضع قدم، ورغم وجود هذا الجيش العرمرم الزاحف، فلا يحل لمسلم أنْ يفر أمامه وأنْ يوليه دبره، لأنَّ هذا يكون سببًا في ضعفهم وطمع العدو في الالتفاف بهم والقضاء عليهم وقد بيَّن سبحانه وتعالى في الآية الكريمة أنَّه يجوز الهرب أو الفرار من ساحة القتال في حالتين اثنتين:

الأولى: أنْ يهرب من العدو ويفر منه ليريه أنَّه خائف منه فيغتر العدو ويلحقه، ثم إنَّ المسلم يكر ويحمل عليه فيقتله.

وهذا لا شك نوع من أنواع الخديعة في الحروب، والحرب خدعة، ولا يسمَّى فرارًا، وإنَّما هو من باب الاستدراج، وهذا معنى قوله تعالى .

الثانية: أنْ يترك القتال في جبهة من الجبهات وينضم إلى فئة أخرى من المسلمين لتركيز الأعداء عليها أو قلة العدد فيها، فهي في حاجة إلى مدد وعون.

فهذا كذلك نوع من أنواع البطولة والصمود والإقدام، لأنَّه يعرِّض نفسه للخطر بانتقاله إلى عدد قليل يريد تكثير سواده، وهذا معنى قوله تعالى .

وما عدا هاتين الحالتين؛ فإنَّ الله تعالى قد توعد الفار من المعركة بأشد أنواع العذاب والغضب والخزي في الدنيا والآخرة حيث ارتكب كبيرة من الكبائر الموبقات التي توبق صاحبها وتدخله النار .

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم

وغيرهما [1] ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اجتنبوا السبع الموبقات؛ قيل: وما هنَّ يا رسول الله؟! قال:(الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) .

(1) انظر: جامع الأصول، 10/625.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت