إن من أعظم سمات الحياة الفكرية للعصر العباسي هي الاحتفاء بالفلسفة والعلم الاغريقيين، وفيما كان التأثير الفارسي والهندي في القرن الثامن الميلادي هو الراجح في تلك الحياة, نجد أن بيت الحكمة الذي أسسه المأمون قد لعب دورا في هيمنة فكر أرسطو وابقراط وجالينوس وبطليموس على النفوس المستنيرة في بغداد وأرجاء العالم الاسلامي، ففى القرن التاسع الميلادي برزت ثلاث شخصيات عظيمة هي ثابت بن قرة أحد صائبة حران والكندي الفيلسوف المسلم العربي العريق وحنين بن اسحق المسيحي النسطوري.
ومن رأي الاستاذ كوركيس أنه: لم يقم بين المترجمين في العصر العباسي, من فاق حنين بن اسحق في وفرة التصنيف, من تأليف ونقل ومراجعة وتصحيح, ولا من جاراه في حسن الأسلوب ودقة الترجمة.
وقد برز حنين بن اسحق كأقوى شخصية في هذا العصر, إذ تفوق في ميداني الترجمة والتأليف وحقق أمجادا عظيمة في علوم الطب والفلسفة واللغة، ويؤخذ من قائمة وضعها حنين وأتمها أحد تلاميذه أنه ترجم إلى السريانية من كتاب جالينوس خمسة وتسعين كتابا وترجم إلى العربية منها تسعة وثلاثين؛ هذا إلى جانب انه راجع ترجمة تلاميذه فأصلح ستة كتب مما نقل إلى السريانية ونحوا من سبعين كتابا إلى العربية كما راجع وأصلح معظم الخمسين كتابا التي كان قد ترجمها إلى السريانية سرجيس الرأسعيني وأيوب الرهاوي وغيرهما من الأطباء المتقدمين.
وفي رأي الأب جورج قنواتي أن حنين بن اسحق كان حريصا على تأدية المعنى بدقة, فاهما تماما لمقتضيات النشر العلمي ووجوب الرجوع إلى أحسن المخطوطات، وبجانب ترجمته لكتب جالينوس, نقل حنين عددا من كتب ابقراط.