فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 37

فقال حنين: قد قلت لأمير المؤمنين اني لم أحسن إلا الشيء النافع ولم أتعلم غيره، فقال الخليفة: فإنني أقتلك، فقال حنين: لي رب يأخذ بحقي غدا في الموقف الأعظم فان اختار أمير المؤمنين أن يظلم نفسه فليفعل، فتبسم الخليفة وقال له: يا حنين طب نفسا وثق بنا فهذا الفعل كان منا لامتحانك, لأنا حذرنا من كيد الملوك واعجابنا بك، فأردنا الطمأنينة إليك والثقة بك لننتفع بعلمك؛ فقبل حنين الأرض وشكر له؛ فقال الخليفة: يا حنين ما الذي منعك من الاجابة مع ما رأيته من صدق عزيمتنا في الحالتين؛ فقال حنين: شيئان يا أمير المؤمنين؛ فقال المتوكل: وما هما؛ قال: الدين والصناع فقال الخليفة وكيف?! قال حنين: الدين يأمرنا بفعل الخير والجميل مع أعدائنا فكيف أصحابنا وأصدقائنا, ويبعد ويحرم من لم يكن كذلك والصناعة تمنعنا من الإضرار ببني الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورة على مصالحهم.

ومع هذا فقد جعل الله في رقاب الأطباء عهدا مؤكدا بإيمان مغلظة: ألا يعطوا دواء قتالا ولا ما يؤذي؛ فلم أر أن أخالف هذين الأمرين من الشريعتين ووطنت نفسي على القتل، فإن الله ما كان يضيع من بذل نفسه في طاعته، وكل يثيبني؛ فقال الخليفة: انهما لشريعتان جليلتان؛ وأمر بالخلع فخلعت عليه؛ وحمل المال بين يديه وخرج من عنده وهو أحسن الناس حالا وجاها.

كانت هذه التجربة امتحانا قاسيا وسوف تعقبها محنة أشد فكلما ارتقى حنين في فكره وعلمه كلما زاد حساده والحاقدين عليه. فما أسهل اللعب بعقول الحكام المستبدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت