فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 37

بلغ حنين في عهد المتوكل قمة مجده كمترجم ومتطبب؛ لكنه خلال نفس هذا الوقت نكب بمحن جرها سوء ظن المتوكل به وحسد زملائه النصارى له. وأول هذه المحن ما رواه ابن أبي أصيبعة من أن المتوكل لما قوى أمر حنين وانتشر ذكره بين الأطباء أمر بإحضاره؛ فلما حضر أقطعه اقطاعات حسنة, وكان الخليفة يسمع بعلمه ولا يأخذ بأي دواء يصفه حتى يشاور فيه غيره, وأحب امتحانه حتى يزول ما في نفسه عليه, ظنا منه أن ملك الروم ربما كان عمل شيئا من الحيلة به, فاستدعاه يوما وأمر بأن يخلع عليه وأحضر توقيعا فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم. فشكر حنين هذا الفعل؛ ثم قال الخليفة بعد أشياء جرت: أريد أن تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله سرا. فقال حنين: يا أمير المؤمنين إنى لم أتعلم إلا الأدوية النافعة، وما علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها، فإن أحب أن امضي وأتعلم فعلت ذلك. فقال الخليفة: هذا شيء يطول؛ ورغبه وهدده، فلم يزد حنين عما قاله. فأمر بحبسه في بعض القلاع ووكل به من يوصل إليه خبره وقتا بوقت ويوما بيوم؛ فمكث سنة في حبسه دأبه النقل والتفسير والتصنيف غير مكترث بما هو فيه؛ فلما كان بعد سنة أمر الخليفة بإحضاره واحضار أموال يرغبه فيها. وأحضر سيفا ونطعا وسائر آلات العقوبات؛ فلما حضر قال له الخليفة: هذا شيء قد كان، ولا بد مما قلته لك، فإن أنت فعلت فزت بهذا المال وكان لك عندي أضعافه، وإن امتنعت قابلتك بشر مقابلة وقتلتك شر قتلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت