هذا المؤتمر الذى يدعو إليه سنويًا محفل نيويورك يمثل ملتقى ليس للماسونيين الأمريكيين وحسب، بل أيضًا لـ «إخوانهم» من كل أصقاع الأرض. من بين هؤلاء وفود من دول عربية طلبوا منا عدم الإفصاح عن شخصياتهم، ووعدناهم.
فى قاعة عملاقة تشبه مسرحًا للأوبرا كان مقعدى في موقع استراتيجى في منتصف الشرفة المطلة رأسًا على خشبة المسرح التى كان يعتليها السيد الأعظم وأعوانه، فيما احتشدت القاعة -أسفل وأعلى- بوفود المحافل الماسونية من كل صوب وحدب. خلفى مباشرةً بدأ أحدهم يعزف على البيانو، وسرعان ما عبقت القاعة بنغمات ملائكية، وحين بلغ نغمة بعينها وجدت كل من كان في القاعة واقفًا فوقفت معهم.
الآن أستطيع أن أرى بوضوح الوفود العربية في الشرفات اليسارية، واقفةً في خشوع بين يدى الماسونية. وفى تلك اللحظات أذِن السكرتير الأعظم ببدء صلاة لا هى يهودية ولا هى مسيحية ولا هى إسلامية. هى خليط من ذلك كله بين الترنم والتمايل والركوع والغناء والترتيل، وآخر دعواهم: «فليكن ذلك على شرف اسمك الكريم ومجدك .. آمين» .
حين تقارن الماسونية الأمريكية بأختها الأوروبية تجدها أكثر انبساطًا وأكثر تغلغلًا في المجتمع. كان أمامى طريقتان من اثنتان، فإما أن أخاطر بإرسال كاميرا سرية مع أحدهم، أو أن أقبل دعوة رسمية في إطار سياستهم الجديدة. قررت أن أتحدى نفسى فاخترت الطريق الثانية وأنا أعلم أنها ستقف بى دون بعض الأبواب، لكننى تركت لهم حرية اقتياد الكاميرا وتركت لنفسى حرية الملاحظة.
انفضت الجلسة الأولى، وبعد استراحة قصيرة دخلوا إلى جلسة مغلقة منعونى من تصويرها، وبعد انتهاء الجلسة الثانية دعونى لمشاهدة وفد دولة عربية أثناء تنصيب عدد من أعضائه رؤساء عظامًا لمحافلهم العربية، وهم يقطعون على أنفسهم القسَم نفسه الذى يمكن أن يقطعه على نفسه يهودى، فيحق له أن يفضّلوه على مسلم أو مسيحى يتصادف أنه غير ماسونى.