وعلق ابن حجر على ذلك بقوله: « وإذا تقرر ذلك فالأكثر قالوا فيه:"عن أبي هريرة"فكان ينبغي ترجيحهم . ويؤيده أن الراوي إذا حدث في بلده كان أتقن لما يحدثه به في حال سفره ، ولكن عارض ذلك أن سعيدا المقبري مشهور بالرواية عن أبي هريرة فمن قال عنه:"عن أبي هريرة"سلك الجادة ، فكانت مع من قال عنه:"عن أبي شريح"زيادة علم ليست عند الآخرين ، وأيضا فقد وجد معنى الحديث من رواية الليث عن سعيد المقبري عن أبي شريح كما سيأتي بعد باب ، فكانت فيه تقوية لمن رآه عن ابن أبي ذئب فقال فيه"عن أبي شريح"ومع ذلك فصنيع البخاري يقتضي تصحيح الوجهين ، وإن كانت الرواية عند أبي شريح أصح » [1] .
وبكلِّ حالٍ فإن وقوع الخطأ في الأسانيد المشهورة كان بسبب سلوك الجادة لتعلقه بذهن الرواة ، خصوصًا ممن خفَّ ضبطه ، فكيف بالضُّعفاء !
5.اتفاق البلدان
مما لاشك فيه أن أهل البلد أعرف بحديث شيوخهم من غيرهم ، فأهل المدينة أعرف بحديث نافع ومالك من غيرهم ، وأهل مكة أعرف بحديث عمرو بن دينار ، وأهل البصرة أعرف بحديث قتادة ، وأهل الكوفة أعرف بحديث أبي إسحاق السبيعي ، وأهل مصر أعرف بحديث الليث بن سعد ، وهكذا .
قال حماد بن زيد: « بلديُّ الرجل أعرف بالرَّجل » [2] .
وقدم أبو حاتم الرازي صالح بن كيسان في الزهري على عقيل بن خالد ؛ لأنه حجازيٌّ ؛ قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: « سمعت أبى يسأل عن صالح بن كيسان: أحب إليك أو عقيل ؟ قال: صالح أحب إليّ ؛ لأنه حجازي وهو أسنّ ؛ قد رأى ابن عمر ، وهو ثقة يُعَدّ في التابعين » [3] .
(1) الفتح (10/546) .
(2) الكفاية للخطيب (ص133) .
(3) الجرح والتعديل (4/410) .