ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء, لم يخفهم بعد ذلك, ولم يرجهم, ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربزبين, المتصرّف فيهم سواهمو والمدبّر لهم غيرهم, فمن شهد نفسه بهذا المشهد, صار فقره وضرورته الى ربا وصفا لازما له, ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر اليهم, ولم يعلّقلاأمله ورجاءه بهم, فاستقام توحيده, وتوكّله وعبوديته. ولهذا قال هود لقومه: { اني توكّلت على الله ربي وربّكم ما من دابّة الا هو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم} هود56.
وقوله:"ماض فيّ حكمك, عدل فيّ قضاؤك"تضمّن هذا الكلام أمرين:أحدهما: مضاء حكمه في عبده.
ثانيهم: يتضمّن حكمه وعدله وهو سبحانه له الملك وله الحمد, وهذا معنى قول نبيّه هود: { ما من دابّة الا هو آخذ بناصيتها} , ثم قال: {ان ربي على صراط مستقيم} أي مع كونه قاهرا مالكا متصرّفا في عباده, نواصيهم بيده فهو على صراط مستقيم.
وهو العدل الذي يتصرّف به فيهم فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وقضائه وقدره ونهيه وثوابه وعقابه.
فخبره كله صدق, وقضاؤه كلّه عدل, وأمره كله مصلحة, والذي نهى عنه كله مفسدة, وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله, ورحمته وعقابه لمن يستحق له العقاب بعله وحكمته.
[12] القضاء والحكم والفرق بينهما
وفرق بين الحكم ولبقضاء, وجعل المضاء للحكم, والعدل للقضاء, فان حكمه سبحانه يتناول حكمه الديني الشرعي, وحكمه الكوني القدري.
والنوعان نافذان في العبد ماضيان فيه, وهو مقهور تحت الحكممين, قد مضيا فيه, ونفذا فيه, شاء أم أبى, لكن الحكم الكوني لا يمكنه مخالفته, أما الديني الشرعي فقد يخالفه.
ولما كان القضاء هو الاتمام والاكمال, وذلك انما يكون بعد مضيه ونفوذه, قال:"عدل في قضاؤك"أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفّذته في عبدك عدل منك فيه.