وأمّا العبيد فتصرّفهم على محض العبوديّة فهؤلاء عبيد الطاعة المضافون اليه سبحانه في قوله: { انّ عبادي ليس لك عليهم سلطان} الحجر 42, وقوله: { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا} الفرقان63, ومن عداهم عبيد القهر والربوبية, فاضافتهم اليه كاضافة سائر البيوت الى ملكه, واضافة أولئك كاضافة البيت الحرام اليه, واضافة ناقته اليه وداره التي هي الجنة اليه, واضافة عبودية رسوله اليه بقول: { وأنّه لمّا قام عبد الله يدعوه} . الجن 19.
[11] من معاني العبوديّة
وفي التحقيق بمعنى قوله"اني عبدك"التزام عبوديته من الذل والخضوع والنابة, وامتثال أمر سيّده, واجتناب نهيه, ودوام الافتقار اليه, واللجوء اليه, والاستعانة به, والتوكّل عليه, وعياذ العبد به, ولياذه به, أن لا يتعلّق قلبه الا بغيره محبّة وخوفا ورجاء.
وفيه أيضا أني عبد من جميع الوجوه: صغيرا وكبيرا, حيّا وميّتا, مطيعا وعاصيا, معافى ومبتلى القلب واللسان والجوارح.
وفيه أيضا أن مالي ونفسي ملك لك, فان العبد وما يمتلك لسيّده.
وفيه أيضا انك أنت الذي مننت عليّ بكلّ ما أما فيه من نعمة فذلك كلّه من انعامك على عبدك.
وفيه أيضا اني لا أتصرّف فيما خوّلتني من مالي ونفسي الا بأمرك, كما لا يتصرّف العبد الا باذن سيّده, واني لا أملك لنفسي نقعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. فان صحّ له شهود ذلك فقد قال لي اني عبدك حقيقة.
ثم قال"ناصيتي بيدك", أي أنت المتصرّف في تصرّفي كيف تشاء, لست أنا المتصرّف في نفسي.
وكيف يكون له في تصرّف من نفسه بيد ربه وسيده وناصيته بيده وقلبه بين أصبعين من أصابعه, وموته وحياته وسعادته وشقاؤه وعافيته وبلاؤه كله اليه سبحانه, ليس الى العبد منه شيء, بل هو في تصرّف سيّده أضعف من مملوك ضعيف حقير, ناصيته بيد سلطان قاهر, مالك له تحت تصرّفه وقهره بل الأمر فوق ذلك.