فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 246

أما الحكم فهو يحكم به سبحانه وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه, فان كان حكما دينيا فهو ماض في العبد, وان كان كونيا فان نفذه سبحانه مض فيه, وان لم ينفّذه اندفع عنه, فهو سبحانه يقضي ما يقضي به. وغيره قد يقضي بقضاء ويقدّر أمرا لا يستطيع تنفيذه. وهو سبحانه يقضي ويمضي فله القضاء والامضاء.

وقوله:"عدل في قضاؤك"يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه, من صحة وسقم, وغنى وفقر, ولذّة وألم, وحياة وموت, وعقوبة وتجاوز وغير ذلك. قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} الشورى 30, وقال: { وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فانّ الانسان كفور} الشورى 48.

فكل ما يمضي على العبد فهو عدل فيه.

فان قيل: فالمعصية عندكم بقضائه وقدره! فما وجه العدل في قضائها؟ فان العدل في العقوبة عليها غير ظاهر. قيل: هذا سؤال له شأن, ومن أجله زعمت طائفة أن العدل هو المقدور, والظلم ممتنع لذاته. قالوا: لأن الظلم هو التصرّف في ملك الغير والله له كل شيء. فلا يكون تصرّفه في عبده الا عدلا.

وقالت طائفة: بل العدل أنه لايعاقب على ما قضاه وقدره, فلمّا حسن منه العقوبة على الذنب عُلم أنّه ليس بقائه وره, فيكون العدل هو جزاؤه على الذنب بالعقوبة والذم اما في الدنيا واما في الآخرة. وصعب على هؤلاء الجمع بين العدل والقدر, فزعموا أن من أثبت القدر لم يمكنه أن يقول بالعدل, ومن قال بالعدل لم يمكنه أن يقول بالقدر. كما صعب عليهم الجمع بين التوحيد واثبات الصفات, فزعموا أنهم لا يمكنهم اثبات التوحيد الا بانكار الصفات, فصار توحيدهم تعطيلا وعدلهم تكذيبا بالقدر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت