ولهذا أخبر نبيه أنه يحكم بين الناس بما سمعه من اقرارهم, وشهادة البيّنة, لا بمجرّد علمه من غير بيّنة ولا اقرار؟ ثم أخبر سبحانه أن الانسان في غفلة من هذا الشأن الذي هو حقيق بأن لا يغفل عنه, وأن لا يزال على ذكره وباله, وقال: { في غفلة من هذا} ق22, ولم يقل عنه, كما قال: { وانهم لفي شك منه مريب} هود22, ولم يقل في شك فيه, وجاء هذا في المصدر وان لم يجئ في الفعل فلا يقال غفلت منه ولا شككت منه كأن غفلته وشكه ابتداء منه, فهو مبدأ غفلته وشكّه, وهذا أبلغ من أن يقال في غفلة عنه وشك فيه, فانه جعل ما ينبغي أن يكون مبدأ التذكرة واليقين ومنشأهما مبدأ للغفلة والشك. ثم أخبر أن غطاء الغفلة والذهول يكشف عن ذلك اليوم كما يكشف غطاء النوم عن القلب فيستيقظ, وعن العين فتنفتح. فنسبة كشف هذا الغطاء عن العبد عند المعاينة كنسبة كشف غطاء النوم عنه عند الانتباه.
ثم أخبر سبحانه أن قرينه, وهو الذي قرن به في الدنيا من الملائكة, يكتب عمله. وقوله يقول لمّا يحضره: هذا الذي كنت وكّلتني به في الدنيا قد أحضرته وأتيتك به, هذا قول مجاهد.
وقال ابن قتيبة: المعنى: هذا ما كتبته عليه وأحصيته من قوله وعمله حاضر عندي. والتحقيق أن الآية تتضمّن الأمرين, أي هذا الشخص الذي وكلت به وهذا عمله الذي أحصيت عليه. فحينئذ قال: { ألقيا في جهنّم} ق24, وهذا اما أن يكون خطابا للسائق والشهيد, أو خطابا للملك الموكل بعذابه وان كان واحدا. وهو مذهب معروف من مذاهب العرب في خطابها, أو تكون الألف منقلبة عن نون التأكيد الخفيفة, ثم أجرى الوصل مجرى الوقف.
ثم ذكر صفات هذا الملقى فذكر له ست صفات:
(أحدها) أنه كفار لنعم الله وحقوقه, كفار بدينه وتوحيده وأسمائه وصفاته, كفّار برسله وملائكته, كفار بكتبه ولقائه.
(الثانية) أنه معاند للحق يدفعه جحدا وعنادا.