وبالنظر في حواشي هذا الكتاب نجد أنَّ الإمام الشافعي من أكثر العلماء اهتمامًا ومناقشة لأقوال وفتاوى عطاء في الحج خصوصًا ، ويعقبه ابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم ، رحمهم الله جميعًا ، كما إنَّ أقواله رحمه الله من أمتن أقوال أهل العلم في المناسك وأقربها إلى الدليل .
وحيث إن عطاءً - رحمه الله - قد حجَّ سبعين حجة ، فقد تغير اجتهاده في بعض المسائل التي نقلت عنه [1] ، فصار له في بعض المسائل أكثر من رواية ، ويصعب غالبًا أن يعرف المتقدم منها من المتأخر .
ومما لا شك فيه أن عالمًا مفتيًا تقيًا يحجُّ سبعين حجة ، قد اجتمع فيه من علم المناسك وفقهها ما لا يمكن حصره أو وصفه .
وقد بذلت جهدي في تتبع ذلك ودراسته بإيجاز وبيان الأشهر من الروايات عنه أو الأثبت ، دون تعمد لدراسة المسألة فقهيًا ، لأن مرادي جمع وترتيب وتنقيح ما نقل عن عطاء فحسب .
وإنما سلكت في هذا الكتاب نقل كلام عطاء دون التعبير عنه بحكم موجز كما هو الشأن في كتب الفقه والشروح لأن الاطلاع على كلام السلف مباشرة أدقُّ ، وهو يعطي المرء ملكة في طريقة الاستنباط من الأحكام والتعبير عنها بعبارات فقهية راسخة ، كما إنه يبين الخطأ في نسبة بعض الأقوال إليهم ، والحال أن النصوص المسندة عنهم على خلافه .
وبالنظر في أقوال عطاء الواردة هنا نجد بعض المسائل التي قد يعدُّها جماعة من أهل العلم والفقه من النوادر التي خالف فيها عطاء - ولو في رواية عنه - الدليل أو المشهور ، أو كان في قوله شيء من الشدة أو لا دليل عليه ، ومن أشهر هذه المسائل كراهيته الطيب قبل الإحرام ، وجواز النكاح للمحرم .
(1) انظر المسألة ( 630) .