والجيل الثانى تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف ومن الإشتراك في المجد ألى انفراد الواحد به وكسل الباقين عن السعى فيه ومن الأستطالة إلى ذل السؤال فتنكسر سورة العصبية بعض الشئ وتؤنس منهم المهانة والخضوع ويبقى لهم الكثير من ذلك بما أدركوا الجيل الأول ، وباشرو أحوالهم وشاهدوا إعتزازهم وسعيهم إلى المجد .. ولا يسعهم ترك ذلك بالكلية وإن ذهب منه ما ذهب .
وأما الجيل الثالث فينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته .. وتسقط العصبية بالجمله وينسون الحماية والدافعة .. فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الإستظهار بسواهم من أهل النجدة .
فهذه كما تراه ثلاثة أجيال فيها يكون هرم الدولة وتخلفها ولهذا كان إنقراض الحسب في الجيل الرابع كما مر في أن المجد والحسب إنما أربعة آباء وقد أتيناك فيه ببرهان طبيعى كاف مبنى على ما مهدناه قبل من المقدمات .. و هذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة ول تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده إلا إن عرض لها عارض .
ولهذا يجرى على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة وهذا معناه فاعتبره واتخذ منه يصحح لك عدد الآباء في عمود النسب ." [1] ."
من النصوص السابقه يمكن استخراج الحقائق الظاهرة التى يراها إبن خلدون كما يلى:
-أن التاريخ علم من العلوم وذلك لتوفر شروط العلم وهى:
? ربط الأسباب بالمسببات ، أى مبدأ سببية الأحداث وتسلسلها وإكتشاف العلاقة بين الوقائع.
? إستنتاج المبادئ العامه التى يمكن إستخدامها في التفسير والتحليل .
? الدقة والعمق والصدق هى منهج البحث العلمى .
(1) المصدر السابق، ص 188- 189.