الصفحة 33 من 40

وقد نبّهنا إلى ذلك من قبل، فلا يكفي العالم أو الفقيه أو الباحث عن حكم النوازل المستجدة، فلابد للحكم أن يكون موافقًا لدليله مناسبًا لمحلّه. أما موافقة الحكم لدليله فيمكن للقادر على الاجتهاد من أهل الفقه، وأما مناسبة الحكم لمحله، فليس كل فقيه شرعي بقادر على تحصيل ذلك الحكم إلا بعلم زائد يتعرّف به على حال المكلف وظرفه وعُرفه وسائر ما يحيط به . ولذلك ربما يكون في حاجة إلى من يعرّفه بذلك كله، من عالم اجتماعي أو ممارس للسياسة، أو قانوني متمرّس، أو اقتصادي خبير، وغيرهم.

5ـ تعقّد المستجدات العصرية:

فإنّ الحياة المعاصرة تعقدت مشكلاتها وتشعبت قضاياها وتداخلت صورها وأحوالها ومآلاتها، مما استدعى تقديم الحلول الفقهية المناسبة لها، ويقتضي ذلك النظر الجماعي فيها، بتعاون أهل الشريعة وعلماء الطبيعة، وعلماء الفقه مع الخبراء من أهل الاختصاص في الشؤون المدنية والإنسانية المختلفة [1] .

6ـ القلّة في أهلية الاجتهاد:

فإن أهل الاجتهاد في القرون الخيّرة والعصور النيّرة للفقه الإسلامي كان الواحد منهم أمّة، يجتمع فيه أكثر من علم وأكثر من تخصّص، يكون فقيهًا طبيبًا فلكيًا صيدليًا عارفًا بمجتمعه، واقفًا على أحوال عصره، فيمثّل بمفرده مؤسسة علمية للاجتهاد، وأما في هذا العصر فقد ضعف الأمر بأهل الفقه فقلّت أهلية الاجتهاد، ناهيك عن الإلمام بقضايا العصر والمعرفة بالواقع. فصارت الحاجة إلى التكامل المعرفي ضرورية [2] .

هذه الحاجات وغيرها تجعل التكامل المعرفي في التعامل الفقهي مع المستجدات والنوازل ضرورة اجتهادية يوجب تحقيقه واعتباره في سائر العمليات الاجتهادية الفقهية معها.

المطلب الثاني

مظاهر التكامل المعرفي في المستجدات

(1) راجع: الاجتهاد الجماعي أسسه وضوابطه،د. عبد الله الزبير،ص 22-23.

(2) راجع: المرجع السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت