يغيب عن كثير من المشتغلين بالفقه والطالبين لعلمه الحاجة الشديدة إلى العلوم الطبيعية والإنسانية والكونية إجمالًا أو تفصيلًا، ظنًا منهم أن النصّ يحمل كل معطيات الحكم الشرعي، فيمكن الاكتفاء بعلوم الشريعة المؤهِّلة للنظر في النصّ لاسيما علوم اللغة ومباحث الأصول.
وهذا التبرير لإغفال الحاجة إلى العلوم الأخرى قد يكون صحيحًا جزئيًا، بمعنى: أنّ الحاجة إلى العلوم الأخرى قليلة ضئيلة في بعض الأحكام الشرعية ن وهي تلك الأحكام المتعلقة بالعبادات المحضة بل مقاصد تلك العبادات في الغالب، أما غيرها من مجالات التعبّد والامتثال، كمسائل المعاملات، ومسائل العلاقات الإنسانية، وقضايا السياسة والحكم، وما يتعلق بالحقوق والواجبات لأفراد الناس وجماعاتهم وطوائفهم المختلفة؛ فإنّ الحاجة لتلك العلوم ماسّة.
ومن هنا يظهر جليًا حاجة النظر الشرعي والاجتهاد الفقهي إلى التكامل المعرفي . خاصّة في المستجدات والنوازل.
وما يجعل الحاجة ظاهرة في التعامل الفقهي مع المستجدات أمور:
1ـ طبيعة الأحكام الشرعية في الثبات والتغيّر:
فإنّ الأحكام الشرعية على نوعين: نوعٌ ثابت لا يتغيّر مهما كان من أمر فيكون الحكم ثابتًا لا يعتريه تغيير.
أما النوع الثاني منها، فهي الأحكام التي تتغيّر بتغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والبيئات.
وهذا يعني: أنّ بعض الأسباب قد لا تتاح للفقيه الناظر في النازلة المستجدة، وبالتالي يكون في حاجة إلى عالمٍ بتلك الأسباب أو بسبب منها
فليس مجرد تغيّر الزمان سببًا لتغيّر الحكم، وإنما السبب المؤدّي للتغيير هو: المصلحة أو الحال أو العرف أو نحو ذلك مما جعل بقاء الحكم على ما كان لا يحقق مقصود الشارع في المكلفين. وهذا يستوجب معرفة المتغيّر في الزمان الداعي لتغيّر الحكم بسببه، فقد يكون الفقيه بنفسه عالمًا بذلك، وقد يكون في حاجة للاستعانة بمن هو عالم بذلك لتحقيق المعرفة بالسبب. وهكذا..
2ـ عموم البلوى: