الصفحة 28 من 40

3ـ أن يكون قادرًا على تحقيق المناط، وهو تحقيق العلّة المتفق عليها في المسألة المستجدة، ويراد به ههنا: (( أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله ) ) [1] . فمَحال الأحكام تحتاج إلى تحديد دقيق حتى تنزّل عليها تلك الأحكام الشرعية فتصادف محلها ومكانها، وبذلك يسلم الاجتهاد عن انفصام الحكم ومحله.

4ـ أن يستعين في تصوّره للنازلة المستجدة وتكييفها شرعيًا بأهل الخبرة والاختصاص الفني. وهنا يتضح الحاجة إلى التكامل المعرفي بجلاء، وهو ما سنوضّحه في المبحث القادم بإذن الله تعالى .

2ـ النظر الجماعي في التعامل الفقهي مع المستجدات:

والطريق الثاني المتعلق بالبحث عن حكم المستجدات هو النظر الجماعي بطريق الاجتهاد الجماعي الذي تتعاضد الآراء وتتباحث وتلتقي الأفكار وتتعد الأنظار للوصول إلى حكم النازلة المستجدة، خاصة في النوازل الكبرى.

وكانت هذه هي طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم، ولعلهم عملوا بنصيحة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - حين سأله: يا رسول الله! أرأيت إن عرض لنا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم يخصص فيه سنة منك؟ قال: ( تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة ) [2] ، فكانوا رضوان الله عليهم إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثر اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا فالحق فيما رأوا" [3] ."

ولهذا لما اجترأ الفساق على الخمر في عهد عمر رضي الله عنه جمع لذلك فقهاء الصحابة حتى توصلوا إلى جعل الحدّ ثمانين جلدة زجرًا وردعًا لهم [4] .

(1) الموافقات للشاطبي ، ج4 ص 65 .

(2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم12042 ج11ص371.

(3) سنن الدارمي ج1 ص 52 رقم 115.

(4) انظر: أعلام الموقعين ، ج1 ص 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت