إنّ معرفة أحكام المستجدات والنوازل من أعسر الأمور على أهل العلم والفقهاء، لأنها طريق محفوف بالمشاق والصعاب، إذ يبحث الناظر عن حقيقة النازلة المستجدة وصدق وقوعها، ثم يبحث في نظائرها وأشباهها، وهل سبق لأمثالها حكم أو لا؟، ثم يبحث في القواعد الفقهية والكلية والمبادئ الشرعية، ثم ينظر في الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحو ذلك، ثم ينظر في محل الحكم وهل يصدق الحكم في المحل، إلى غير ذلك من التباحث، وكل بحث في هذه المراحل يحتاج إلى تردد وتأمل وتعمّق في النظر واستشراف وتوقّع وتصوّر وغير ذلك مما يبذله الناظر الفقيه من الجهد والوسع لتحصيل الحكم الشرعي المناسب للنازلة المستجدة.
ولهذا لابدّ من رسم خارطة طريق للباحث في المستجدات ينتقل عبرها في خطة محكمة يتوصّل بها إلى مرحلة النطق بالحكم. خاصة لو علمان أنّ أحكما المستجدات تحتاج إلى نوعي الاجتهاد في استيعابها ضمن أحكم الشريعة الخمسة: الاجتهاد الاستنباطي التأويلي القائم على معرفة الحكم الشرعي للنازلة المستجدة بدليل الحكم، والاجتهاد التطبيقي التنزيلي بالتحقق من مناسبة ذلك الحكم المستنبط للواقع والمحل.
وعلى هذا: فالطرق التي يَتَحصَّل بها الناظرُ أحكام المستجدات، تتلخص في الآتي: