غير أن أهل الحقّ من العلماء الربانيين يقفون لهذه الأغراض وأصحابها، فإنّ الإمام يحيى بن يحيى الليثي ~ لمّا واقع الأمير عبد الرحمن الداخل جاريته في نهار رمضان، وأراد بعض الفقهاء في الأندلس التوسيع له بتخييره في الكفارة بادر قائلًا: (( ليس لك إلا أن تصوم شهرين متتابعين ) )فلما خرجوا قالوا ليحيى: مالك لم تفته بمذهبنا عن مالك أنه مخير بين العتق والصوم والإطعام؟ قال: لو فتحنا له هذا الباب لسهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود )) [1] .
وقد راعى مقاصد التشريع في الكفارات، مع أنه كان شديدًا في الالتزام بمذهب مالك وكان يأمر الولاة والقضاة بالتزام المذهب على أشدّ ما يكون، مما يدلّ على استقامة أمره مع الشرع حيث منطوقه أو روحه.
وفي المقابل نجد من يفرّق بين قريب وغريب، وبين صديق وبعيد في الفتيا والحكم على أفعاله.
وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي ~ عن بعض أهل زمانه ممن نَصَبَ نفسه للفتوى أنه كان يقول: إن الذي لصديقي عليّ إذا وقعت له حكومة أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه. وقال: وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة، فأفتاه جماعة من المفتين بما يضرّه، وأنه كان غائبًا، فلما حضر سألهم بنفسه، فقالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافقه. قال الباجي ~: وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد بهم في الاجماع أنه لا يجوز، ولا يسوغ ولا يحلّ لأحدٍ أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه )) [2] .
(1) سير أعلام النبلاء ، للذهبي ، ج10 ص 521 .
(2) انظر: الموافقات للشاطبي ن ج4 ص 101، أعلام الموقعين لابن القيم ج4 ص 211.