ولقد ناقش العلم الطبيعي قضايا كونية تولدت عنها جملة من الأسئلة كانت إجابة القرآن - كما أسلفنا إزاء تمدد الكون - موجزة وبليغة وحاسمة. ومثل هذه القضايا ما يتعلق بخلق الأرض وكيف تكونت عليها الجبال الرواسي، وكيف تتوغل جذور هذه الرواسي عبر القشرة الأرضية كما تتووغل الاوتاد، وكيف يؤدي وزنها إلى التحكم في استقرارها وفي حركتها من أن تميد وتضطرب. وما توصل إليه العلم الحديث بشأن هذه القضايا كان القرآن قد أوجزه في آيات بيِّنات في قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا. وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) [سورة النبأ:الآية6-7] ْ. كذلك في قوله الحكيم: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) . [سورة لقمان:الآية10] ْ لقد ظل الانسان ردحًا من الزمان يجهل حدود الأرض ولم يتأكد من كرويتها إلا بعد ما طاف حولها. ولم يكتشف مفسرو القرآن الأوائل سر الإعجاز القرآني في السؤال المتضمن لعبارة: (وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) [سورة الغاشية:الآية30] ْ، واكتفوا بما ظهر لهم من معنى قوله تعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) [سورة ق:الآية7] أو قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطًا) . [سورة نوح:الآية19] ْ اكتفوا بما يبدو من معنى مباشر لهذه الآيات وبما ألفوه من انبساط في سطح الأرض ظاهر على مد البصر. إن المتبصر في هذه الآيات يرى أن سطح الأرض المنبسط في كل موضع يجب أن يكون ممتدًا إلى ما لا نهاية. والسطح الوحيد الذي يتميز بهذه الصفة الهندسية هو السطح الكروي. وهو الذي يتيح تكور الليل على النهار والنهار على الليل على نحو ما نشهده في الطبيعة بتعاقب الليل والنهار ووفق ما تقول به الآية: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) [سورة الزمر:الآية5] ْ ويمكن كذلك استنباط ما يشير إلى كروية الأرض من قوله تعالى: (...