الصفحة 21 من 53

ومن هذا يمكن ان نكتشف بُعدًا أعمق ومعنى أشمل لما تنطوي عليه الآية دون ان يكون في هذا الفهم الحديث تناقض مع ما فُهم في الماضي أو ما قد يُفهم من ظاهر منطوقها. وقد لا يستوعب العقل ما ينطوي عليه لفظ قرآني ككلمة برزخ في قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) [سورة الرحمن:الآية19-18] ْ وربما تفهم هذه الكلمة بمعنى حاجز مقارنة بالنص القرآني: (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا) [سورة النمل:الآية61] ْ ذلك أن طبيعة الماء في البحرين متباينة كما تنص الآية: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا) . [سورة الفرقان:الآية52] ْ وهذا التباين هو الذي يُعزى إليه عدم اختلاط الماء المتحرك في البحرين فينشأ عنه هذا الحاجز البرزخي الذي يمكن تفسيره الآن في ضوء النظرية الجزيئية التي تصف سلوك التيارات السائلة. وهكذا فإن هذا المفهوم الجزيئي لكلمة برزخ كان مُكتنزًا فيها حتى كشفت عن دلالته الطبيعيات الجزيئية.

واكتناز اللفظ الواحد لمعان واسعة من خصائص التعبير القرآني والتي ربما لا تُكتشف من اول وهلة، ففي قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [سورة الذاريات:الآية47] ْ، مجال للتدبر في آيات الله من اتساع كوني أسلفنا الحديث عنه ومن أييد تحكم بناءه. فالأييد هي محصلة القوى التي تتضافر في حفظ توازن الكون وتماسك بنيانه. نعرف منها القوى التثاقلية والكهرمغنطيسية والنووية بتفاعليها الشديد والضعيف، وربما هناك قوى أخرى لمَّا يكتشفها العلم الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت