والنص القرآني قابل لمخاطبة كل مستويات العقل عند الفرد خلال تطوره الحياتي كما هو قابل لمخاطبة العقل البشري بوجه عام من خلال ترقيه عبر القرون والأجيال. ويمكن ان نسوق بعض الأمثلة لصور الإعجاز القرآني التي تكشفت عنها معان عميقة بتطور العقل في مجال العلوم الطبيعية. من هذه أن المرء ربما يكتفي بفهم سطحي أو مباشر - مثلًا - عند قراءة قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) [سورة القيامة:الآية4] ْ، ولكنه إذا تدبر روعة الخلق في الخلايا العصبية المتعلقة بحاسة اللمس وما في هذا البنان من دقة في ما تطبعه الانامل من بصمات يتباين رسمها عند أي شخصين حتى بين التوائم في الغالب الأعم، لعرفنا المغزى في تخصيص البنان للتدليل على قدرة الله، ولادركنا كم هو عظيم إعجاز الله في خلقه وفي قرآنه. ومثال ذلك إذا قرأنا قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) [سورة يس:الآية88] ْ، لكفانا ما يُستقى من معنى مباشر لهذه الآية. إلا أنه خلافًا لما يمكن أن يتبادر للذهن من أن الشجر اليابس هو الذي يُجعل وقودًا، فإن نعته بالخضرة، والذي يبدو لفظًا زائدًا من أول وهلة، يثير تساؤلًا عظيمًا، ما كان لنا أن نجيب عليه إلا عن طريق معرفتنا المكتسبة من علوم الطبيعيات والأحياء والكيمياء وعلم طبقات الأرض. فهذه العلوم تفيد بأن زيت النفط أو الغاز أو الفحم الحجري الذي تستمد منه في حياتنا المعاصرة وقودًا لتوليد الطاقة قد يكون ناتجًا من المادة الخضراء (اليخضور) في أوراق الشجر التي طُمرت تحت ضغط هائل في جوف الأرض منذ أمد بعيد كما يرى بعض المختصين، وإلا من المؤكد أن طاقة الاحتراق انما تنتج عن هذا اليخضور.