... ويتبين من ذلك أن الأحناف لم يتناولوا موضوع بيع التورق بصفة مباشرة أو مستقلة، وإنما أدرجوه كأحد النماذج التي أشاروا إليها عند كلامهم عن بيع العينة في كتبهم المعتمدة. وفرقوا في الحكم بين الحالتين المشار إليهما في هذا المثال، فجعلوا العينة خاصة بالحالة التي تعود فيها السلعة إلى البائع الأول (النموذج الثاني) فحكموا عليها بكراهة التحريم. أما النموذج المشابه للتورق ( النموذج الأول) والخاص بحالة إذا تصرف طالب النقود في السلعة بالبيع لطرف ثالث من السوق، فحكموا عليها بأنها خلاف الأولى لتراجع احتمالات نية التواطؤ على التعامل الربوي. ويتضح هذا مما أشار إليه ابن عابدين في الحاشية إلى قول محمد رحمه الله:"إن الذي يقع في قلبي أنه إن فُعِلَت: صُورَةٌ يعود فيها إلى البائع جميع ما أخرجه أو بعضه، كعود الثوب إليه في الصورة المارة، وكعود الخمسة في صورة إقراض الخمسة عشر، فيكره، يعني تحريما. فإن لم يعد، كما إذا باعه المديون في السوق فلا كراهة فيه، بل خلاف الأولى [1] ".
2 ـ المالكية:
قال العلامة عليش:"قال ابن حبيب: إذا اشترى طعاما أو غيره على أن ينقد بعض ثمنه ويؤخر بعضه إلى أجل، فإن كان اشتراه ليبيعه كله لحاجته لثمنه، فلا خير فيه، وكأنه إذا باعه بعشرة نقدا وعشرة إلى أجل قال خذه فبع منه بما تريد أن تنقدني، وما بقي فهو لك ببقية الثمن إلى الأجل، وإنما يعمل هذا أهل العينة. وهو قول مالك رضي الله تعالى عنه فروجع فيه غير مرة فقال: أنا قلته، قاله ربيعة وغيره قبلي. ونزٌَل ابن لبابة ما جاء في ذلك من الجواز والمنع على التفريق بين أهل العينة وغيرهم فجوز في غير أهل العينة ومنع في حقهم [2] ."
3 ـ الشافعية:
(1) ... ابن عابدين: الحاشية: 5/326.
(2) ... العلامة عليش: منح الجليل: 2/605.