يمكن الاستدلال على رأي لفقهاء الشافعية بشأن بيع التورق في ضوء ما جاء في أقوالهم عن واقعة معينة مركبة وهي إبرام شخص لعقد شراء سلعة ما بسعر آجل يدفعه للبائع و يقبض على أثره تلك السلعة، ثم يعاود بيعها بعقد آخر لنفس البائع الذي اشتراها منه ـ أو لشخص ثالث ـ ولكن بسعر أقل. وهنا يجب التوضيح والتفصيل فيما قد يبدو للبعض اختلافا في الرأي بين ما يقول به الإمام الشافعي رحمه الله في هذا الشأن في كتابه الأم، وهو الجواز، وبين الرأي المعتمد والمعمول به في المذهب بالنسبة لبيع العينة ـ وفقا لما هو وارد بالكتب المعتمدة في المذهب ـ وهو الكراهة.
أما بالنسبة لقول الإمام الشافعي رحمه الله فينبني على أصل من أصول مذهبه، وهو أن الآثار المترتبة على العقود تتوقف على ما تعكسه ظاهر النصوص الواردة فيها، دون محاولة البحث عن المقاصد أو النوايا التي قد تكون كامنة في صدور المتعاقدين. وبالتالي إذا باع الرجل سلعة لرجل آخر بثمن مؤجل، ثم اشتراها منه بثمن أقل نقدا، فكلا البيعين جائز عنده لاستقلال كل منهما عن الآخر، ولا ينظر على أنهما عقدين مرتبطان ببعض، إلا إذا ورد شرط صريح منصوص عليه في أحد منهما أو في كليهما يفيد هذا الربط. والدليل على ذلك هو أن كلا العقدين يندرج تحت عموم الآية الكريمة: وأحلٌ اللهُ البَيْعَ وحَرٌَمَ الرٌِبَا ( البقرة: 85) . فهذه الآية عامة تتناول كل بيع، إلا ما خرج بدليل يفيد عدم الجواز. فإذا لم يكن هناك دليل يخرج العقد عن صفة الجواز فهو باق على حليته.
ويقول الإمام الشافعي في هذا الشأن في كتاب الأم:"فإذا اشترى الرجل من الرجل السلعة فقبضها وكان الثمن إلى أجل فلا بأس أن يبتاعها من الذي اشتراها منه ـ ومن غيره ـ بنقد أقل أو أكثر مما اشتراها به أو بدين كذلك، أو عرض من العروض ساوى العرض ما شاء أن يساوي، وليست البيعة الثانية من البيعة الأولى بسبيل" [1] .
(1) ... الأم: 6/252.