ومن ناحية أخرى، يجب ملاحظة أن الإمام الشافعي رحمه الله لم يجز بيع العينة التي تثبت فيها تهمة المفسدة واضحة، ويؤكدها التواطؤ المشروط بين طرفي العقد. وليس أدل في هذا الِشأن من قول كل من الإمام ابن القيم في الإعلام ، والذي عززه الإمام ابن حجر العسقلاني في الفتح ( وهو في الأصل شافعي المذهب) . قال ابن القيم رحمه الله: أحدث بعض المتأخرين حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ومن عرف سيرة الشافعي وفضله عَلِمَ أنه لم يكن يأمر بفعل الحيل التي تبنى على الخداع وإن كان يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد إذا خالف لفظه، فحاشاه أن يبيح للناس المكر والخديعة، فإن الفرق بين إجراء العقد على ظاهره فلا يعتبر القصد في العقد وبين تجويز عقد قد علم بناؤه على المكر مع العلم بأن باطنه بخلاف ظاهره ظاهر، ومن نسب حِل الثاني إلى الشافعي فهو خصمه عند الله فإن الذي جوزه بمنزلة الحاكم يجري الحكم على ظاهره في عدالة الشهود فيحكم بظاهر عدالتهم وإن كانوا في الباطن شهود زور. وكذا في مسألة العينة، إنما جوز أن يبيع السلعة ممن يشتريها جريا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكر والخديعة، ولم يجوز قط أن المتعاقدين يتواطآن على ألف بألف ومائتين ثم يحضران سلعة تحلل الربا ولا سيما أن لم يقصد البائع بيعها ولا المشتري شراءها، ويتأكد ذلك إذا كانت ليست ملكا للبائع كأن يكون عنده سلعة لغيره فيوقع العقد ويدعى أنها ملكه ويصدقه المشتري فيوقعان العقد على الأكثر ثم يستعيدها البائع بالأقل ويترتب الأكثر في ذمة المشتري في الظاهر، ولو علم الذي جوز ذلك بذلك لبادر إلى إنكاره، لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فقد يذكر العالم الشيء ولا يستحضر لازمه حتى إذا عرفه أنكره"."