فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 92

وقد علق الإمام ابن حجر في الفتح على كلام ابن القيم، وعلى رأي الإمام الشافعي في هذه المسألة قائلا:"والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن" [1] .

ويشير هذا الكلام في مجموعه إلى أن الأصل عند الإمام الشافعي رحمه الله وأصحابه من فقهاء الشافعية في الحكم على عقد بيع العينة، أنه إذا جاءه العقد مثبتا فيه تواطؤ معلن بوضوح بين المتعاقدين للتحايل على الربا، أو مدرج فيه شرط يفيد الربط بين العقدين، فالتعاقد باطل، ويأثم فاعله إذا أمضاه ـ وهذا الكلام واضح من كلام الإمام السبكي بأنه إذا شرط في العقد ارتباط عقدي الشراء والبيع، بطلا معا باتفاق فقهاء الشافعية. أما إذا تعمد الطرفان إخفاء حقيقة المقصد ولم يبيناها، فالحكم عندهم هو الجواز مع الكراهة، وإن كان كل منهما يأثم في الباطن بينه وبين ربه. لأن المفتي ليس له إلا ظاهر الأمور، أما ما يجول في صدور الناس فلا يعلمه إلا الله، وهو العليم الخبير، وهو العالم بما في صدور العالمين.

ولقد أشرنا في التفصيلات الخاصة بعقود التورق إلى أن العميل (في حالة التورق المباشر) ، والبنك (في حالة التورق العكسي) ، يحرر كل منهما عقدين متتاليين الغرض منهما معلن من البداية، وهو الحصول على نقود سائلة (قرض) بحجم معين تثبت في ذمتهما إلى أجل معين، مقابل دفع حجم أقل من النقود السائلة عند إبرام العقد الأول. ثم إن عميل البنك يحرر في نفس الوقت وعدا ملزما عليه ومعلنا للبنك بشراء السلعة منه بعد شرائها من المورد الأصلي في حالة التورق المباشر للوصول إلى الغرض المطلوب، كما أن البنك يحرر وعدا مماثلا معلنا وملزما أيضا للعميل بشراء السلعة منه في حالة التورق العكسي. فالنية معلنة بين الطرفين تماما، والقصد واضح منذ بداية التعاقد.

(1) ... ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 12/336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت