فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 191

تستطيع الخبرة الخيالية مساعدة الطفل المبدع على خلق عوالم جديدة، لأن الخيال -كما سيلي في أثناء الحديث عن قصص الخيال العلمي- قوّة معرفية تركيبيّة جديدة، يملكها الناس كلهم على تفاوت بينهم في درجاتها تبعًا لاختلاف تركيب أدمغتهم. هذه القوّة العقلية مرتبطة بالقوى العقلية الأخرى كالإدراك والتذكُّر، ولكن ارتباطها بها ليس حتميًّا، إذ يمكنها الاستقلال بنفسها وارتياد عوالم وحوادث لم يؤدّ إليها التذكُّر ولم يدركها الإنسان من قبل. والحريّة عماد هذه القوّة وركنها المكين، وبواسطتها يُحلِّق الخيال في الزمان والمكان، دون أن يكون مقصورًا على زمان محدَّد ومكان معيَّن. والارتفاع فوق الواقع سمة رئيسة في الخيال، لأن نقل الواقع كما هو لا يُعدّ خيالًا، بل يُعدّ استعادة. ولكن ذلك لا يعني أن الخيال منفصل عن الواقع، بل يعني أنه لا خيال إذا لم تُصْنَع من العناصر المستمدّة من الواقع صورة جديدة ليس لها شبيه في هذا الواقع، ولكن الإنسان يفهمها ويُصدِّقها ويتفاعل معها ويتأثَّر بها. ومن ثَمَّ هناك إمكانية لتربية هذه القوّة الفطرية بغية تنميتها ودفعها إلى إنشاء الصور والحوادث والمجتمعات الجديدة.

ومن المفيد لتربية الإبداع الأدبي لدى الأطفال أن يراعي المشرف القاعدة الذهبيّة التالية: (كلما اتجه التفكير إلى الواقع قلَّت الصور) (34) . أيْ أن هذا المشرف مطالب بدفع الطفل الموهوب إلى تشكيل الصور استنادًا إلى خياله، سواء أكان لها سند في الواقع المحيط بالطفل أم لم يكن. وليس الغرض من ذلك إبعاد الطفل الموهوب عن الواقع، بل الغرض تدريب خياله على التحليق فوق الواقع ليتمكَّن من نقله إلى شكل تركيبيّ جديد معبِّر عن آليّته وحركته الموضوعية وإنْ لم يكن مطابقًا لشكله الظاهري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت