على أن هناك جانبًا آخر في الخبرة الفنيّة لا يقلُّ أهميّة عن المهارة في استعمال التقنيّات، هو الجانب الجمالي الذي يرهف العمل الأدبي ويجعله ينتسب إلى الفنّ. ذلك لأن الجمال جوهر الفنّ، وحين يستعمل الأديب هذه التقنية الأدبية أو تلك فإنه يهدف إلى توفير الجمال للعمل الأدبي. ومن ثَمَّ لابدَّ له من تثقيف نفسه جماليًا إذا رغب في أن يقود موهبته إلى التجسيد في عمل فنّي ما تع مؤثِّر. والمشكلة هنا عسيرة جدًا، لأن الخبرة الجمالية (لا ترجع إلى ما تنفعل به النفس، فهي ليست في جوهرها إحساسًا بالسار أو بالمكدِّر، باللذة أو بالألم، وإنْ كانت مجسَّمة فيما يعتري النفس من حركات وانفعالات. كما أنها في جوهرها ليست إشارة إلى الموضوع الحسّي الخارجي، ولا تمثيلًا، به، وليست ضربًا من التصوُّر الذهني ولا تعبيرًا عن أمر موضوعي، أي أنها لا تنتمي إلى الواقع العلمي كما يصوغه العقل وإنْ كانت تلجأ إلى بعض الوسائل التعبيرية التي يستخدمها العلم من أصوات وأشكال. إنها ولادة جديدة تتجدّد مع كل خبرة جمالية. كما أنها قدرة على التذوّق وكشف سريع عن جوهر الوجود قبل أن تمزّقه الحواس وتشتّته، وقبل أن يحبسه العقل في العلاقات المنطقية والتركيبات العلمية) (31) . ولذلك كلّه تُعَدُّ الخبرةُ الجمالية مهارةً (32) التذوّق التي تسهم إسهامًا فعَّالًا في عمليّة الإبداع. وعلى الرغم من دقّة هذه الخبرة الجمالية فإن تنميتها ممكنة دائمًا. وسبيل ذلك تذوُّق النصوص الأدبية، لأن للخبرة تاريخًا لا ينفصل العمل الأدبي فيه عمّا أنجزه سابقوه في الحقل نفسه، ولا ترتبط قيمته الجمالية بزمن ظهوره، ولا بمرحلة محدَّدة لذاتها ينتسب إليها في خط تطوّر فنّ الكلمة (33) . ولهذا السبب عُنيت برامج تدريب الموهوبين بالتعريف بالثقافة الإنسانية، وتحليل جماليّاتها الخاصة، بغية الإسهام في تشكيل الخبرة الجمالية.
* الخبرة الخياليّة: