وفي الرواية الأخرى: عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بن كعب: ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لم يكن الذين كفروا ) قال وسماني لك ؟ قال: نعم قال: فبكى ) [1] .
قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ( إن الله أمرني أن اقرأ عليك ) إنما كان ذلك ليلقن عنه أبي كيفيه القراءة مشافهة وصفتها ، وليبين طريق تحميل الشيخ للراوي بقراته عليه ، وهذه إحدى طرق تحمل الحديث .
وكذلك ورد في الحديث أن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( اقرأ عليَّ القرآن ) فقلت يا رسول الله اقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال: ( إني أشتهي أن أسمعه من غيري ) فقرأت النساء حتى إذا بلغت ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) [ سورة النساء: 41] . قال: حسبك [2] . ففي هذا الحديث بيان سنة قراءة الطالب على الشيخ وهو أيضا طريق من طرق تحمل الحديث .
قال ابن بطال في تعقيبه على حديث بن مسعود: يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة ، ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه ، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر ، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها ، وهذا بخلاف قراءته هو على أبي بن كعب فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك .
قال الإمام النووي: وفي الحديث فوائد كثيرة منها:
1.استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه ، وأهل العلم به والفضل ، وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه .
2.ومنها المنقبة الشريفة لأبي بقراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يعلم أحد من الناس شاركه في هذا .
(1) مسلم بشرح النووي المصدر السابق .
(2) فتح الباري ج/9/117 ، باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره ح/5049 ، 5050 . وهو عند مسلم في الصحيح .