ويمكن أن نجد للحوارية بهذه المراتب المختلفة أصولا كثيرة في المدونة العربية، باختلاف مجالاتها وعلومها؛ فنجد لدى أبي هلال العسكري مثلا، حرصا على إحراز المنفعة في الخطاب مع موافقة الحال (29) ، واهتماما بالغا بمواصفات المتكلمين أنفسهم، فيما ذكره الجاحظ في صفات المتكلم البليغ (30) . كما أن البلاغة الكلاسيكية جميعا أكدت وعي المتكلم بأحوال مخاطبيه ومقاماتهم الفعلية والمتوقعة (31) . ولقد عالج علماء الأصول المسلمون النص الشرعي في ضوء هذه المفاهيم التداولية للخطاب، اعتمادا على أحوال المتكلم من جهة، و أحوال المخاطبين وطبائعهم. كما أن الشريعة ذاتها خاطبت الناس على اختلافهم: من الجمهور الذي هو ليس من أهل التأويل أصلا، ومن الجدليين الذي هم أهل التأويل الجدلي، ومن أهل التأويل اليقيني القائمين بصناعة الحكمة. يقول ابن القيم مثبتا ذلك، ومؤكدا أن الخطاب الشرعي غني بالأحوال المختلفة للمخاطبين، وأن أساس الخطاب التحاجّ:"ويظن جُهّال المنطقيين وفروخ اليونان أن الشريعة خطاب للجمهور، ولا احتجاج فيها، وأن الأنبياء دعوا الجمهور بطريقة الخطابة، والحجج للخواص، وهم أهل البرهان، يعنون أنفسهم، ومن سلك طريقهم. وكل هذا من جهلهم بالقرآن، فإن القرآن مملوء بالحجج والأدلة والبراهين في مسائل التوحيد وإثبات الصانع والمعاد.." (32) .