2 مبدأ المجاوبة، وردّ الكلام بمنطقه؛ حيث تلجأ إلى الحجة في الغالب، عندما يطالب المحاوِر غيره بمشاركته معارفه دون إكراه ولا قمع، وإنما بالسبل الاستدلالية، وتتبع أصول الكلام وأوائله، ورد الأواخر على الأوائل فيه، فإذا اقتنع الغير بذلك -وهنا يكمن البعد الإقناعي للمحاورة- كان كقائل الحديث، وإلا ردَّه، مطْلِعا إياه على رأي مختلف. وقد يلجأ المحاور إلى أساليب الامتناع، مع الإقناع، ليؤثر في اعتقاد المخاطب؛ ذلك أن اللغة ليست أداة للتواصل والتخاطب فحسب، وإنما اللغة وسيلتنا للتأثير في العالم وتغيير السلوك الإنساني من خلال مواقف كلية (26) .
3 مبدأ القصد في الحديث والتخابر.
ويميز (طه عبد الرحمن) بين ثلاث مراتب في السلوك الحواري عموما:
"الحوار والمحاورة والتحاور"تمهيدا لممارسةٍ لسانية عربية، في ميدان تحليل الخطاب (27) . ويختص كل منها بمنهج استدلالي، وآلية خطابية، وبنية معرفية، ونماذج نظرية، وشواهد نطقية. وتتفاوت في قدرتها على أداء الحوارية وتأصيلها (28) .
ففي الحوار يقوم الحديث على مبدإ الادّعاء؛ حيث يعتقد المتكلم صدق ما يعرضه، ويُلزم السامع بتصديقه، بالأدلة التي يقيمها على ذلك، وبيقينه بهذا الصدق، وصحة أدلته.
أما في المحاورة، فيرتقي السامع من مرتبة متلقي الحديث وحسب، إلى مرتبة المتعاون في إنشاء معرفة مشتركة، ملتزما أساليب تضمن الإبلاغ وتحقق الإقناع.
وفي التحاور يصبح الحديث قائما إلى جانب الاشتراك والتعاون، على التعارض، وهو من مراتب التحاج؛ حيث يعتمد قواعده (معارضة قول المتكلم، والحجة مع الاعتراض، وصحة القصود، ورد الكلام بالحجة والمنطق..) .