فالأصل الاشتقاقي لـ (المحاورة) يحدد معنى عامّا هو ردّ الشيء، وإرجاعه؛ كما في كوْر العمامة؛ الذي لا يحصل إلا برجوع الثنيات بعضِها فوق بعض، وكذلك تدوير الخبزة، لا يحصل إلا بالمعاودة والمراجعة.
وهذا قريب من المعنى المجازيّ الذي انتقلت إليه دلالة اللفظ؛ حيث حُدّد معناه في:"المحاورة"و"المتحورة"و"المَحْوَرة": الجواب (20) ؛ ولا يحصل الجواب إلا برجوع الكلام. و"الحوار"مراجعة النطق، وقالوا: كلمتُه فما رجع إليّ حَوَارًا، وحِوَارًا، ومحاورة وحَوِيرًا ومحورة؛ أي جوابا (21) ، واستحاره: استنطقه (22) .
فدلالتها الأولى هي الجواب والمجاوبة، والتجاوب؛ أي مراجعة الكلام وردّه (23) . وقالوا:"تحاوروا"؛ أي تراجعوا الكلام فيما بينهم؛ فهي تحدد دلالة فرعية أخرى هي الاتصال وتواصل، والتخابر، والمخاطبة، كما في قوله تعالى على لسان صاحب الجنة:"فقال لصاحبه وهو يحاوره"الكهف/34، وكما في (24) :
فازورّ مِنْ وقْع القَنا بلَبانه وشكا إليَّ بعبرة وتحمحمِ
لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي
فهي تعني إلى جانب"المجاوبة"السابقة، المخاطبة والمخابرة التي تقوم على مراجعة المنطق والكلام، ورد بعضه إلى بعض، لما يعد تشبيها بالمعنى الحقيقي السابق لها.
ولهذا يمكن جمع الدلالات العامة للمحاورة في:
1 مبدأ الاشتراك في التخاطب والتعاون مع الغير، وهو أساس المحاورة وكل حديث؛ حيث يتوجه المحاور إلى غيره، مطلعا إياه على ما يعتقد وما يعرف؛ ومطالبا إياه بمشاركته اعتقاداتِه ومعارفَه، وهنا يكتمل البعد الاجتماعي للمحاورة (25) .